السياسـة الأردنيـة وديموغرافيـا «اللجـوء»

28 / 05 / 2012

قصي جعرون

فوق شعاري «بلد المهاجرين والأنصار» و«الأردنيون من شتى المنابت والأصول» اللذين عكسا حالة التنوع التي أسس عليها الأردن الحديث، وشكلا إلى حد ما موقفا رسميا للنظام الذي يسعى جاهدا لتجنب صراع الهوية، تطفو شعارات تقترب من الصراع الذي بقي من بين المحرمات في المجتمع الأردني زمنا طويلا، فيتردد اليوم أن «الأردن للأردنيين» و«الهوية الأردنية» و«التجنيس السياسي».

رحلة البحث عن الهوية، تجد لدى المدافعين عنها، والمنظّرين لها، ذرائع سياسية واقتصادية واجتماعية، تبدأ بالحديث عن البلد الفقير بموارده، والذي لا يحتمل أي زيادة طارئة، وتمتد لتقدم مبررات اجتماعية تتخوف من مما تعتبره بمثابة تهديد محدق بالتشكل الاجتماعي عبر 64 عاماً من اللجوء الفلسطيني تلاه اللجوء العراقي والسوري.

غير أن أكثر ما يلهب حميّة المدافعين عن «الهوية الأردنية» فكرة «الوطن البديل» للفلسطينيين، والمخاوف التي ترتفع وتيرتها تبعا للتصريحات الإسرائيلية، والسياسة الرسمية الأردنية تجاه ملف اللاجئين.

الأردن الذي يشكل «جزيرة آمنة» حتى الآن في محيط ملتهب، بقي مقصدا للاجئين من دول الجوار، من اللجوء التاريخي للفلسطينيين بعد حربي 1948 و1967، مرورا بلجوء العراقيين منذ العام 1991 حتى العام 2003، وصولا إلى تدفق اللاجئين السوريين بفعل الثورة المطالبة بإسقاط النظام السوري، لتعصف بالديموغرافيا الأردنية تغيرات جذرية في اقل من 60 عاما من عمر البلاد والتي تحتفل بالذكرى الـ66 على استقلالها.

تدفق بشري استقر السواد الأعظم منه في الأردن، وأصبح موضع تنازع حول حجمه ونسبته من التعداد السكاني الذي بات يشكل الأردنيون الأقلية فيه، من دون وجود إحصائيات رسمية تفضّ هذا النزاع وتنهيه.

«الخوف على الهوية» ترتفع وتيرته كلما تدفق اللاجؤون إلى الأردن «الجزيرة الآمنة» كما يصفها المدافعون عن بلد «الأمن والأمان» على حد قولهم، فاليوم، ومع تدفق اللاجئين السوريين الذين تحصيهم الجهات الرسمية بـ150 ألف لأجئ، وهو رقم يزيد بشكل كبير في الإحصاءات التقديرية للمنظمات الإغاثية، يبرز الحديث عن الهوية التي تتحول إلى لاعب في القرار السياسي حيال الأزمة إلى جوار عوامل أخرى.

اللاجؤون السوريون بقوا في بداية الأزمة «ضيوفا»، على حد التعبير الرسمي للنظام الأردني الذي أطلق بعد مضي ستة أشهر من تدفق اللاجئين السوريين من الثورة التي مضى عليها عام ونصف العام وصف «لاجئين»، وهو وصف عكس عدم رغبة النظام الأردني بإحراج النظام السوري من باب ملف اللاجئين. عدم الرغبة في الإحراج الذي يتواصل برفض الأردن افتتاح مخيم اللاجئين الذي جهزته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في «رباع السرحان» في محافظة المفرق المتاخمة للحدود السورية، يأتي حفاظا على الأمن القومي الأردني الذي لن يتوانى الجانب السوري عن تهديده كما يرى بعض السياسيين.

الموقف الأردني المتحفظ تجاه الثورة السورية يرجعه اقتصاديون إلى ما تشكله سوريا من شريان للتجارة الأردنية التي يمر 80 في المئة منها عبر الأراضي السورية.

العوامل الاقتصادية والسياسية على أهميتها ينافسهما عامل الهوية الوطنية المتخوف من استقرار اللاجئين السوريين مع استمرار الأزمة السورية ودخولهم مرحلة «التنافس» مع اللاجئين السابقين على مقدرات البلد.

يشار إلى أن غالبية الأردنيين من سكان المحافظات الشمالية ينحازون للدفاع عن النظام السوري، انحيازاً عكسه توقيع نواب محافظات الشمال في مجلس النواب الأردني على عريضة تحذر من انجرار النظام الأردني لـ«المؤامرة التي تتعرض لها سوريا». مصدر «التهديد على الهوية الأردنية» من اللاجئين السوريين مردّه إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما أقدم النظام الأردني على تجنيس السوريين الذين فروا إليه بعد أحداث حماه، والذين أجادوا التجارة وسيطروا على جزء من رأس مال البلد.

ودخل التجنيس مرحلة الصراع لا سيما بعد الكشف عن قيام مدير الاستخبارات الأسبق محمد الذهبي تجنيس العديد من العراقيين.

وكإشارة «تطمينية» من قبل النظام تجاه المدافعين عن «الهوية» ترفض وزارة الداخلية السماح بتكفيل الفلسطينيين من حملة الوثائق السورية ممن لجأوا إلى الأردن.

السفير اللبنانية

الصورة بعدسة الزميل محمد ابو غوش

Advertisements

بسام حدادين يطالب بتمثيل الكثافة الفلسطينية في مجلس النواب


الرأي برس
قال النائب بسام حدادين ان مجلس النواب الحالي بتركيبته الحالية غير مؤهل لإجراء حوار يفرز قانون انتخاب يلقى اتجاها واسعا في البلاد.

واكد حدادين خلال ورشة عمل نظمها مركز القدس للدراسات السياسية صباح السبت بفندق ‘لاند مارك’ تحت عنوان قراءة في مشروع قانون الانتخاب, تأييده اعتماد القائمة النسبية المفتوحة للنظام الانتخابي مع زيادة عددها من 25- 30.

وطالب باعادة النظر في تقسيمة الدوائر الانتخابية موضحا ان الكثافة السكانية من الاصول الفلسطينية محرومة من التمثيل، فلا يجوز ان يكون في مجلس نواب قوامه 120 نائباً 15 نائباً من اصول فلسطينية فقط.

وانتقد حدادين مشروع قانون الانتخاب الحالي مشيرا الى انه لم يكن نتاج توافق وطني سياسي توافقي او برلماني مجتمعي حكومي بل جاء من صناع القرار بالدولة.

غرباء من القوقاز وباكستان والعراق وبدو سورية حصلوا على الجنسية أثناء سحبها من مئات الأردنيين من أصل فلسطيني


نافذون يتولون ترتيب ملفاتهم وقيودهم لأسباب انتخابية في الأطراف
بسام البدارين
2012-05-21

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من بسام البدارين: وقف المهندس عماد أحمد مشدوها وهو يناقش صبيا في الرابعة عشرة من عمره حاول بيعه بعض الأزهار بالقرب من الطريق الدولي الفاصل بين العاصمة عمان والزرقاء.
البائع اليافع تمتع بلون بشرة غريب عن الأردنيين ويتحدث لغة عربية مكسرة ويمارس مهنته وسط نخبة من صغار البائعين الذين ينتمون إلى فئة الغجر في المملكة مما دفع المهندس للاستفسار منه عن جنسيته.
بسرعة أخرج الشاب الصغير بطاقة الأحوال المدنية التي يحملها وأبلغه بأنه أردني الجنسية مع رقم وطني بكامل المواصفات.. بعد التدقيق تبين بأن الشاب ولد في القوقاز وحضر راحلا مع عائلته إلى الأردن قبل سنوات فقط وتمكن بطريقة غير واضحة مع جميع أفراد عائلته من الحصول على الجنسية الأردنية.
وسر استغراب المهندس الأربعيني عماد أحمد أنه يحمل الجنسية الأردنية أبا عن جد منذ منتصف القرن ووالده كان من مؤسسي التجارة في عمان العاصمة.. رغم ذلك سحبت جنسيته مع عائلته قبل أربع سنوات عبرها وهو يتسول اهتمام البيروقراطيين.
يقول المهندس أحمد بعدما روى لـ’القدس العربي’ ما حصل معه: لا أعرف كيف أشكل خطرا على الديمغرافيا مع أطفالي، يستوجب إلقائي ضمن فئة البدون والتلاعب بمصالحي الحيوية فيما يمنح بعض الذين تم إحضارهم من القوقاز خلال سنوات بسيطة الجنسية الأردنية.
وقصة الفتى القوقازي لا تقف عند هذه الحدود فالناشط السياسي البارز محمد خلف حديد إطلع شخصيا قبل عدة سنوات على معاملات تخص نحو ألف عراقي تم تجنيسهم ومنحهم الرقم الوطني الأردني في إحدى المحافظات لأغراض انتخابية بحتة تخص أحد النافذين.
وفي منطقة البادية الشمالية لا يخفي نشطاء ومسؤولون المعلومات التي وردت عامي 2007 و2010 عن تجنيس الالاف من المواطنين السوريين ومنحهم بطاقات مدنية من قبل نافذين شاركوا في الانتخابات فيما يمكنك في عمان مصادفة سعودي أو مصري او حتى باكستاني حصل ببساطة على ‘لفتة سياسية’ مكنته من الحصول على الجنسية الأردنية التي يعلن رئيس الوزراء فايز الطراونة أنها ينبغي أن لا تمنح لأي شخص خارج إطار القانون كما ينبغي أن لا تسحب من أي شخص إلا في نفس الإطار.
ويتبادل الأردنيون في مجالسهم الخاصة المعلومات عن غرباء وأشقاء بالمئات حصلوا على الجنسية الأردنية التي تسحب بدورها من أردنيي الضفة الغربية ببساطة وتحت عنوان تعليمات فك الإرتباط وبصورة تمثل انتهاكا منهجيا للحقوق الدستورية للمواطنين الأردنيين الشركاء أصلا في تأسيس الدولة الحديثة، كما تقول أدبيات المبادرة الأردنية المواطنة متساوية.
ولا تكشف السلطات عن الأجانب والعرب الذين يحصلون على الجنسية الأردنية أو حصلوا عليها طوال السنوات العشر الماضية فيما تخفي في الوقت نفسه الأعداد الحقيقية للأردنيين من أصل فلسطيني الذين سحبت جنسياتهم بموجب تعليمات سرية لفك الارتباط مع الضفة الغربية تصر السلطات على عدم الكشف عن مضمونها ومن بين 3180 طلبا قدمت لأردنيين سابقا سحبت جنسياتهم وأصبحوا بدون أعيدت الجنسية المسحوبة بصورة غير شرعية أصلا لـ 82 منهم فقط وفقا لصحيفة ‘العرب اليوم’.

الوحدة الشعبية وازنة للوحدة الوطنية وتؤكد حق العودة

– الراي برس – عبدالناصر الزعبي – الأردنيون لا يرغبون بالمساس بمشاعر الفلسطينيين، لاعتبارات كثيرة.. منها: طيبة الإنسان الأردني وطبعه الكريم. ثم إن شعورهم بالرابط الأخوي العربي والإسلامي فيما بينهم.. معززا بخصوصية التوأمة الأردنية، وفطرتهم الوحدوية، مما جعلهم معنيون بالمشاعر الفلسطينية بقدر عنايتهم بسلامتهم كلهم.. عبر سني النضال الفلسطيني. وعندما نجد تحذيرات الساسة من مخاطر المساس بما يسمى ‘الوحدة الوطنية’ بداعي ‘السلم الاجتماعي’ والترهيب من الحرب الأهلية، هو؛ دليل على عدم قدرة كل الأطراف تحديد ما يريدون من مفردات سليمة، تشير ببراءة لمخاوفهم دون إلحاق أي ضرر بأمنهم القومي والوجودي المصيري.. فتختلط علينا المصطلحات التي تمررها تيارات التوطين المتصهينة لدى الشعبين العظيمين.. لتجعل من ارض الحشد والرباط أرضا للتجارة والعمارة فقط. الحديث الأردني الفلسطيني حول الهوية الشخصية والوحدة الوطنية التي لا تتعارض مع مصوغات السلم الاجتماعي هو حديث صحي بوجود إسرائيل التي تبحث عن تفعيل وسائل القضاء على الطرفين الذين اغفلا وحدة مصيرهما أمام المشاريع الصهيونية المرحلية التكتيكية أو على المدى البعيد.. الإستراتيجية منها. ولثبوت إرادة الخلط ــ الخبيثة و الممنهجة ــ لمفاهيم ومصطلحات ‘الوحدة الوطنية’ و’الوحدة الشعبية’ ولخطر سوقنا إلى مقصلة المشروع الصهيوني الاستراتيجي سوقا!! بإقصاء مفهوم مصطلح ‘وحدة المصير’ عن المسار السياسي بين الشعبيين، وتأسيس المشاريع السياسية المتحركة.. بحيث يجب أن لا يخدعنا مشروع إسرائيل التكتيكي والمسمى ‘الوطن البديل’ على انه المشروع النهائي. لان إسرائيل لن تقف عند حدود منعتنا أو تراخينا.. حتى تحقق ـ بضنها ـ مشروعها الأكبر ودولتها الكبرى بين النهرين. ثم يجب أن نتذكر أن أراضي الأردن مقدسة لإسرائيل لن تفرط بها لصالح الوطن البديل المزعوم. وهنا يجب أن نتذكر دائما أن إسرائيل لا تريد البديل للفلسطينيين، بل تريد أن تجتثهم وتوأدهم أحياء. وبمفهوم الوطن البديل الخادع، تريد إسرائيل تكتيكيا أن توهم الأردنيين بعداء الفلسطينيين وجحودهم لهم وتكالبهم على الأردن.. وتريد بضنها أن تسلب ما تبقى من إرادة الصمود الفلسطيني وتجعلهم يتعلقون بمشروع الخلاص الوهمي. وضنا منها: تكون جعلت الشعبين التوأمين عدوين لدودين فيقتتلا.. وتقدم هي الحل لاحقا بان تضع يدها على الأرض والعرض، فهذا الكيان اجتثاثي، استيطاني احتلالي توسعي. ولان الشعبين التوأمين.. يوجد فيهم من عاش فترة لا تنسى، ويتذكر مشاهد التآخي، ويعرف وشاج اللحمة التاريخية، خصوصا عند حصول النكبة أو اللجوء أو عند النزوح الجماعي.. لهذا سأخبركم حكاية حصلت: فجدتي خبزت لشهرين متتاليين لعشرة اسر فلسطينية لاجئة استقرت في حاكورتها.. وحينها لم تتقبل جدتي مشاركة النازحات ليخبزن معها ويساعدنها.. حرصا منها على احترام ضيفاتها وكرما منها، وبقيت اللاجئات تشاركها النوم بالدار، التي أخلاها جدي، لينام مع اللاجئين الذكور في الحاكورة، حتى رحلوا إلى المخيم، ومنذ أكثر من أربعين عاما لم تنقطع خلالها زياراتهم الودودة له حتى توفاه الله. ورغم ما جرى لجدي بحوادث أيلول في السبعين من القرن الماضي عندما قتل ابنه وطفلين لأخيه بحادث لغم زرع على درب مزرعته، وحينها منعت جدتي أبي ــ لوازعها الديني ــ من الانتقام لأخيه بقتل المارة من المنظمة بقولها له: ‘والله لو كنت عالمة بأنك تعرف من هو قاتل أخيك، بشكل محدد، ولم تنتقم له، لقطعت الثدي الذي أرضعك، ولكنك لا تعرف من القاتل، فلا يجوز لك الانتقام من برئ’، ولاتزان جدي.. أدرك تماما أن حوادث السبعين كانت صراع قيادات وليست صراع شعبي، وأدرك أنها فتنة خبيثة أقحموا فيها الشعبين، فلا ناقة لهما فيها ولا جمل، ولم يكن المقصود القتال بين الشعبين بقدر ما كانت عبث بوحدة شعبين، وسلمهما الاجتماعي الذي غيب.. لمأرب تيارات، نازعت فيها الحسين ملكه. وللأسف لا زلنا مطية لمصطلح الوحدة الوطنية الذي يفت عضد السلم الاجتماعي، لمجانبته الصواب الكامن بالوحدة الشعبية، الوازنة للوحدة الوطنية، والتي تحفظ الحقوق، وتقيم الواجبات، وتؤكد حق العودة.. على الدوام، وتزيل الألغام من مسارنا النضالي النهضوي الوحدوي وتؤسس لمشروعنا التحريري. لا يوجد ما يعيب أن يكون هناك ميثاق وطني أردني يؤسس على مخرجات المؤتمرات الوطنية الأردنية التاريخية بالإضافة للميثاق الوطني الأردني لعام 1993م ليشتمل على بند يتكاتف مع البند الخامس في الميثاق الوطني الفلسطيني الذي صاغته القوى والشخصيات الوطنية الفلسطينية قبل عقود لتعزيز صمودهم ووحدتهم الوطنية الضرورية في مواجهة أطماع العدو الصهيوني الغاشم. فان الهوية الواضحة للشخصية الوطنية الفلسطينية تشكل عنصر الممانعة والمقاومة الطبيعيتين لأي مشروع توسعي احتلالي اجتثاثي، وهذا يتطلب من الأردنيين أنفسهم ــ لتعزيز الموقف الفلسطيني الكفاحي ــ أن يُعرفوا الهوية الشخصية الأردنية على أساس اللون العربي الأردني والتمايز القطري، كونه مطلب مصيري للأمن القومي الأردني، وللوجود الفلسطيني على ارض فلسطين التاريخية. ولعمقنا القومي العربي نريد للفسيفسائية العربية المتشكلة من الأوطان العربية بألوانها وبنكهاتها وتكامليتها أن تؤكد الوحدة الشعبية للأوطان العربية كلٍ بهوية شخصيته الوطنية ولونه العروبي لتشكيل فسيفسائية لا تقبل الجمال إلا مكتملة، بحيث تجمعها الوحدة الشعبية، وتمايز ألوانها الوحدة الوطنية. مهم أن نتذكر دائما الهوية العربية والإسلامية التي تتعرض لهجمة يهودية منذ تطهير المدينة المنورة وخيبر منهم، فلا زالوا يعودون إلينا بمشاريعهم الصهيونية، التي يتضح فيها الصراع الوجودي الراسخ في أذهان أتباع الحركات والديانات اليهودية، الذين كرسوا وجدانهم لاجتثاث العروبة والإسلام، كما دأبت الصهاينة على تأكيدها ذلك غدرا تارة كما في العراق، واحتلالا تارة أخرى، كما في الصورة الفلسطينية الموجعة. وأصبحت مشاهد هتك وإجهاض المشاريع النهضوية العربية المتكررة منذ الحرب العالمية الأولى، سوى تأكيدا على أن الدم العربي والمسلم، له نفس الطعم والمذاق لدى العدو الأزلي والغاشم، فالصهيوني لا يفرق بين دمائنا ويريدها كلها بعدما أحلها لهم حبرهم.. ليحققوا ضنا منهم مشاريعهم الحاقدة، بعيدة المنال، والتي أبقت على دمنا منهمرا وعلى مشاريعنا النهضوية معطلة. لهذا يتوجب أن نوزن مصطلح ‘وحدة المصير’ ونضعه للعيان شاهدا لوجهتنا السياسية. فالعطاء الذي قدمته كل المنظمات الفلسطينية.. وتزامنت معه التضحيات العربية في المجهود الحربي والعسكري والسياسي والاجتماعي، يحتاج إلى توجه أردني حقيقي لاستكمال الدور الذي بدء مشواره الشهيد كايد عبيدات، مرورا بمن بعده حتى اليوم. فتعالوا إلى كلمة سواء.. ولنرفع ملف العلاقة الأردنية الفلسطينية فوق الطاولة فلا نبقيه تحتها.. لندفن أحقادنا المبثوثة ونعظم أواصر وحدتنا ولحمتنا.. ولنثق أن الوحدة الشعبية وازنة للوحدة الوطنية بالحقوق والواجبات.. ولنكون جنبا إلى جنب في مواجهة صهيون وليس وجها لوجه في يد صهيون وأعوانها.. ودعونا نؤسس لمسار العمل السياسي على إستراتيجية وحدة المصير. ففي هذا ضمانة للسلم الاجتماعي، الذي ننشد تحققه بنزع لغم الأصول والمنابت والوحدة الوطنية.. بعدما أرقتنا مخاوف الحرب الأهلية وأقلقتنا مخاوف أصحاب الفكر والنبوءة السياسية.

الوضع القانوني للاردني من اصل فلسطيني

الوضع القانوني للاردني من اصل فلسطيني

 

بقلم أنيس فوزي قاسم

بداية، ان هذا الاستعراض للوضع القانوني للاردني من اصل فلسطيني يتعلق حصراً بالمواطنين من سكان الضفه الغربيه وذلك حين ارتبطت الضفه الغربيه مع الضفه الشرقيه بقرار وحدة الضفتين الصادر في العام 1950. وبالتالي لا يشمل اهالي قطاع غزه وفلسطينيي الدول الاخرى.

دخل الجيش العربي الاردني فلسطين في 19/5/1948، واعلنت الاحكام العرفيه في المناطق الفلسطينيه التي وقعت تحت سيطرة الجيش وتم تعيين عمر مطر حاكماً عسكرياً للمنطقه، واصبحت تدار بقانون الدفاع الصادر في العام 1935.

بتاريخ 20/12/1949، صدر عن مجلس الوزراء قانون اضافي لقانون الجنسيه الاردني الصادر في العام 1928. نص التعديل في الماده الثانيه منه على ان “جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الاردن او في المنطقه الغربيه التي تدار من قبل المملكه الاردنيه الهاشميه ممن يحملون الجنسيه الفلسطينيه يعتبرون انهم حازوا الجنسيه الاردنيه ويتمتعون بجميع ما للاردنيين من حقوق ويتحملون ما عليهم من واجبات.”

بعد مراجعة اعداد جريدة “فلسطين” خلال فترة اصدار تعديل قانون الجنسيه، لا يوجد هناك اية اشاره الى ان وجهاء او مخاتير او رؤساء البلديات في الضفه الغربيه او بعضهم طلب من الحكومه الاردنيه اكساء الفلسطينيين بالجنسيه الاردنيه. وفي حال غياب ما ينقض هذا القول، فان النتيجه الحتميه للتعديل وهو انه تمّ فرض الجنسيه الاردنيه فرضاً على الفلسطينيين، وهو أمر مخالف للقانون الدولي العرفي الذي يؤكد على حرية اختيار الجنسيه. كما ان الاثر القانوني المباشر لفرض الجنسيه الاردنيه على الفلسطينيين هو انه تمّ – عملياً- شطب الجنسيه الفلسطينيه والتي نظمها قانون الجنسيه الفلسطيني الصادر في العام 1925.

صدر قانون الجنسيه الاردني في العام 1954، وذلك امتثالاً لنص الماده 5 من الدستور التي نصت على ان الجنسيه الاردنيه تنظم بقانون. قانون الجنسيه الاردني، بكل المعايير، قانون متقدم نسبياً ولاسيما في مسألة سحب الجنسيه؛ اذ أنه جعل سحب الجنسيه مسأله خاصه بمجلس الوزراء، وليس بوزير او دائره او هيئه. ثم احاط القانون مسألة سحب الجنسيه بضمانات بحيث لا يتم سحب الجنسيه من اردني (أ) إلاّ بعد توجيه طلب له من مجلس الوزراء بترك خدمته المدنيه او العسكريه في الدوله الاجنبيه، فاذا رفض هذا المواطن ترك وظيفته المدنيه او العسكريه لدى الجهة الاجنبيه، فان (ب) مجلس الوزراء يتخذ قراراً بسحب الجنسيه، واذا كان المواطن يؤدي خدمة مدنيه اجنبيه فان قرار مجلس الوزراء (ج) يجب ان يقترن بالمصادقه الملكيه، (د) وينشر في الجريده الرسميه. وبعد كل ذلك، (هـ) يحق للمواطن ان يطعن في قرار مجلس الوزراء امام محكمة العدل العليا. أي هناك خمس ضمانات تحمي المواطن الاردني من خطر سحب جنسيته وهذه ميزه ذات دلاله هامه للقانون الاردني.

القى المرحوم الملك حسين خطاباً في 31/7/1988، اعلن فيه فك الارتباط القانوني والاداري مع الضفه الغربيه. لم يأخذ هذا الخطاب شكل وثيقه قانونيه بمعنى انه لم تتم ترجمته لا في شكل تشريع ولا في صيغة قرار من قرارات مجلس الوزراء. ظل الخطاب خطاباً سياسياً. في 20/8/1988، اصدر مجلس الوزراء سلسله من التعليمات التي مازالت سريه، ولم تعلن لا في الجريده الرسميه ولا في بلاغ رسمي ولا عن طريق الناطق الرسمي باسم الحكومه. يفهم من مجموع ما تمت لملمته من تصريحات من ان الاردنيين المقيمين عادة في الضفه الغربيه لم يعودوا اردنيين، اي انهم جردوا من الجنسيه الاردنيه في ليلة واحده دون مقدمات او تمهيد او تحذير او تنبيه. وقد تأثر من هذه التعليمات اكثر من مليوني شخص وهم المقيمون في الضفه الغربيه، اذ اصبحوا عديمي الجنسيه. حاولت الحكومه الاردنيه ان تتستر على هذه الجريمه بمقولة انهم اصبحوا “فلسطينيين”، الاّ ان هذا القول لا يستقيم وصلاحية الدوله في تحديد جنسيه الآخرين. فالاردن يستطيع ان يحدد جنسية “الاردني” الاّ انه لا يستطيع تحديد جنسية المصريين او الالمان او الاتراك، وبالتالي لا يملك صلاحية تحديد جنسية هؤلاء بأنهم فلسطينيون.

من المهم ملاحظة ان سحب الجنسيه الاردنيه من مواطنين اردنيين مقيمين في الضفه الغربيه قد تمّ بالمخالفه للاجراءات الوارده في قانون الجنسيه الوارد ذكرها اعلاه، وبالمخالفه لمعايير القانون الدولي الخاصه بالجنسيه كما انه تمّ تجريد هؤلاء الاردنيين من جنسيتهم وهم واقعون تحت الاحتلال الاسرائيلي مما يحرمهم من الحمايه الديبلوماسيه للدوله الاردنيه. وهي دوله ذات سياده وطرف في اتفاقيات جنيف.

وهكذا تتمثل مأساة الاردنيين من اصول فلسطينيه في القرارت التي تصدر عن الدوله الاردنيه دون التشاور مع الجانب الفلسطيني او التنسيق معه. ففي 20/12/1949، افاق الفلسطينيون فإذا هم اردنيون، وفي 20/8/1988 أفاق الفلسطينيون – الاردنيون فإذا هم بلا جنسيه.

ان المأساة لازالت تتفاعل وتتفاقم. إذ أن صلاحية سحب الجواز من اردني تمّ التنازل عنها عملياً من مجلس الوزراء الى دائرة تابعه لوزارة الداخليه تسمى دائرة المتابعه والتفتيش. ثم ان هذه الدائره تتوسع في تحديد الشروط التي تبرر – في رأيها- سحب الجنسيه الاردنيه من اردني ذي اصل فلسطيني. وفوق هذه وتلك، اغلق باب القضاء في وجه اي دعوى يقيمها مواطن اردني ضد قرار سحب جنسيته بمقولة ان هذا الامر يتعلق بأمور السياده ولا يجوز بالتالي للقضاء التصدي له. وحين تحدى رئيس محكمة العدل العليا الدكتور فاروق الكيلاني هذا القيد وقضى بأن “حرمان الاردني من جنسيته عمل غير مشروع … ولا يجوز نزع الجنسيه استناداً لقرارات الاداره ذلك ان القاعده ان ما ينظمه المشرع بقانون لا يجوز تعديله إلاّ بقانون، ولا يجوز تعديله بقرار اداري او تعليمات…”. ويقول الدكتور الكيلاني في كتابه القيم “استقلال القضاء” انه على أثر ذلك القرار طلب منه وزير العدل آنئذٍ ان يقدم استقالته، مما يعني تدخل الجهاز التنفيذي في السلطه القضائيه وذلك بالمخالفه للمبدأ الدستوري الخاص بفصل السلطات.

تجدر الاشاره الى ان مقولة “عمل من اعمال السياده” التي يحظر فيها على محكمة العدل العليا التصدي فيها لمسألة تتعلق بالجنسيه، مقصوره فقط على أية دعوى يقيمها اردني من اصل فلسطيني على جهة الاداره التي قررت سحب جنسيته. وللتدليل على صحة هذا القول، فانه يمكن ايراد المثال التالي، حيث اقام مواطن من اصل سوري دعوى ضد الحكومه الاردنيه حيث ادعى انه استوفى جميع الشروط المطلوبه في الماده (4) من قانون الجنسيه لاكتساب الجنسيه الاردنيه، الاّ ان جهة الاداره رفضت طلبه ضمنياً. فأقام الدعوى ضد الحكومه، وقالت محكمة العدل العليا في قرارها الصادر بتاريخ 24/11/2009، ان سلطة مجلس الوزراء بمقتضى الماده (4) “هي سلطة مقيده بشروط هذه الماده” وحيث فشلت الحكومه في اثبات عدم توفر الشروط المطلوبه لمنح المدعي الجنسيه الاردنيه، فيكون قرارها “مستوجب الالغاء”. لم يرد في حيثيات هذا القرار اية اشاره الى “اعمال السياده”، بل ان المحكمه اكدت ان سلطة مجلس الوزراء مقيّده بالقانون، مما يقدح في مقولة ان الجنسيه أمر من متعلقات السياده.

ان الاجهزه المسؤوله عن عملية سحب الجنسيه من اردنيين ذوي اصول فلسطينيه تقدم احياناً تبريرات لتصرفاتها. تقول الاجهزه انها لا تسقط الجنسيه عن اردني بل تقوم بمجرد تصويب اوضاعه. وهذه عمليه تتم بتوجيه طالب جواز سفر الى مراجعه دائرة المتابعه والتفتيش التي غالباً ما تقوم باسقاط الرقم الوطني متذرعة بتعليمات فك الارتباط. وهكذا تزعم الاجهزه بأنها لا تسقط الجنسيه بل تسقط الرقم الوطني ليس إلاّ. واذا علمنا ان قانون الاحوال المدنيه ينص على ان الرقم الوطني لا يمنح الاّ للمواطن الاردني، فان اسقاطه يعني بالضروره انه لم يعد اردنياً.

وتدّعي الاجهزه ان ما تقوم به من اجراءات هو دعم للاشقاء الفلسطينيين في الصمود في وجه العدو الصهيوني الذي يخطط لاخلاء الاراضي المحتله من سكانها وافساح المجال للاستيطان الصهيوني. لا جدال في صحة هذا القول، الاّ انه في الواقع يحتاج الى تفسير من الاجهزه لكي تشرح لنا كيف ان احباط المخطط الصهيوني يتم بتجريد الاردني من اصل فلسطيني من حقوق المواطنه، سيما وأن الاجهزه تمنح هذا المواطن حق الاقامه في الاردن دون حقوق المواطنه. ولا تجهد الاجهزه نفسها في ان تشرح لنا كيف تتم محاربة المخططات الاسرائيليه بينما الاردن دخل في تعهد دولي في نطاق معاهدة وادي عربه بتوطين اللاجئين الفلسطينيين. أي ان ما تقوم به الاجهزه هو تقويض لالتزام دولي تعهدت به الدوله الاردنيه. فكيف يستقيم هذا الموقف من تلك التعهدات القانونيه الدوليه؟

وتقول الاجهزه انها تفرق في تصرفاتها بين حملة البطاقه الخضراء عن حملة البطاقه الصفراء، وتعتبر الفئه الاولى فلسطينيين بحكم الاقامه الاعتياديه في الضفه الغربيه، فهؤلاء يتم تجريدهم من جنسيتهم، بينما تتمتع الفئه الثانيه بكل ما للاردنيين من حقوق وما عليهم من التزامات. ان الوقائع والممارسه العمليه تدحض هذا القول ذلك ان حملة البطاقه الصفراء والمقيمين في الاردن يتعرضون لتهديدات ومضايقات ومناورات من الاجهزه تجعل من حياتهم قلقاً مستمراً، وهنا يثور السؤال المؤلم: ما هي الضمانه التي لا ينتهي فيها الامر مع حملة البطاقه الصفراء كما انتهى مع حملة البطاقه الخضراء؟!

ان هذا السلوك للاجهزه المسؤوله عن موضوع سحب الجنسيه من اردنيين من ذوي اصول فلسطينيه منافٍ للدستور والقانون كما أنه يتنافى مع العلاقات التاريخيه التي تجمع الناس على ضفتي الاردن. انه سلوك يؤدي الى ضعضعة الوضع الداخلي وتشقق النسيج الاجتماعي مما يسهل على العدو التاريخي التسلل من خلال هذه التشققات لابتزاز الاردن مسؤولين وقاده ونخب وطنيه.

“الأردنية لمواطنة متساوية” تشكل لجنة قانونية لدراسة سحب الجنسيات

الراي برس

أعلنت المبادرة الأردنية لمواطنة متساوية عن لجنة قانونية تضم نخبة من الخبراء وكبار المحامين والمستشارين القانونيين لمتابعة وإعداد تقارير مفصلة عن “المخالفات الجسيمة” التي تنطوي عليها إجراءات سحب الجنسية والمساس بالقيود والحقوق المدنية للمواطنين الأردنيين. وأصدرت اللجنة الإعلامية تصريحا صحفيا أعلنت فيه بأن الهيئة التأسيسية للمبادرة وفي اجتماعها الأخير استعرضت الجدل الذي أثير مؤخرا في البلاد تحت عنوان تعليمات جديدة لتطبيق قرار فك الارتباط خصوصا المخاطر التي تهدد حقوق المواطنين الأردنيين الدستورية بموجب بعض بنود هذه التعليمات المنشورة في حال تطبيقها. وانتقدت اللجنة “تردد الرواية الرسمية” في عهد الحكومة السابقة حول وجود أو عدم وجود تعليمات جديدة وطالبت الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور فايز الطراونة بخطوات شفافة وعلنية يتم فيها نشر التعليمات الناظمة لأي إجراءات أو خطوات بيروقراطية تمس بحقوق المواطنين وأرقامهم الوطنية وسجلاتهم المدنية خصوصا في ظل ما يتردد عن استمرار وجود تعليمات سرية في هذا الاتجاه. وقالت اللجنة الإعلامية أن اللجنة القانونية التي شكلت ستعد تقريرا مفصلا عن حيثيات عمليات سحب الجنسية وخلفيتها القانونية وموقف القضاء الوطني وكذلك القانون والمجتمع الدولي من هذه الإجراءات مع إعداد حيثيات مفصلة حول الانتهاكات في إطارها القانوني والدستوري لحقوق الجنسية للمواطنين الأردنيين .

اسرار لعبة “فك الإرتباط” في الاردن ؟!!


كتب: بسام البدارين – عمان – –

كل إنسان في الكرة الأرضية كتبت عليه الإقامة في بلد ليست بلده وبصرف النظر عن مواطنته وجنسيته لديه {وطن أم} أو وطن أصلي غادره قسرا أوطوعا لأي سبب ويتوق إلى العودة إليه إن كانت هذه العودة خيارا متاحا.

ولا أتصور يوما أن أقابل إنسانا طبيعيا ينسى وطنه الأصلي أو مسقط رأس أجداده ويرضى بديلا عنه في حال من الأحوال.

.. هذه المقدمة الإنشائية قد تبدو ضرورية للتحدث مرة أخرى عن تسالي لعبة فك الإرتباط في الأردن فمصدر {غامض} سرب قبل يومين لإحدى الصحف بشفافية مفاجئة إجتاحت السلطة تعليمات أكثرغموضا تخص الحالات التي ستسحب فيها الجنسيات على أساس شرح مستجدات قرار فك الإرتباط التي تنمو كما يحصل مع الخيار ‘المهرمن’ فتكبر وتصغر بين الحين والأخر وفقا لحسابات المزاج البيروقراطي.

واضح تماما أن الغموض هنا اصطنع قصدا لان البند الأخطر في التعليمات الجديدة التي ولدت كابن ضال لا تريد السلطة الإعتراف بأبوته بعد لأغراض الإختبار طبعا- يتعلق بسحب الجنسية الأردنية من الذين يحملون تصاريح إحتلال نافذة المفعول .. بند خطر لانه سيؤدي لو طبق فعلا لرمي عشرات الألوف من البشر في قائمة {البدون} التي تعني أن ضحاياها حاصلون على صفة {أردني سابقا} دون التمتع بصفة {فلسطيني لاحقا}.

طوال يوم الأحد وبعد نشر التسريبات حول التعليمات الجديدة تلقيت عشرات الإتصالات الهاتفية وأجريت العشرات بحثا عن مسؤول حكومي ولو واحد يعلن {أبوة} الدولة الأردنية لهذه التعليمات أو حتى يتنصل منها ولم أوفق.

وزير الداخلية إنشغل مع مجلس الأعيان ومدير المتابعة والتفتيش وهو الجهاز المتخصص بسحب الجنسيات خارج البلاد .. كذلك مدير الجوازات ..مسؤول مكتب الجنسية أغلق مكتبه ووزراء الشؤون القانونية في الحكومة لا يردون على هواتفهم والزميل الناطق الرسمي بإسم الداخلية بعد عدة مكالمات معه إلتزم بقاعدة{ ما المسؤول أعلم من السائل}.

تخيلوا معي المشهد: تنشر تسريبات تخص الملف الأكثر حساسية في الأردن وتقول هذه التسريبات ضمنيا لنحو {مليون بني آدم} على الأقل بأن جنسياتهم مهددة فجأة ولا يخرج أحد من السلطة ليقول علنا بأن هذه التسريبات صحيحة او غير صحيحة.

ذلك بلغة البيروقراطية الأردنية لا يعني إلا أن المسألة صحيحة وسربت لأغراض الإختبار وقياس ردود الفعل والأهم أن القصة صممت بطريقة تضمن تماما للسلطة ما تريده وهو بإختصار وبدون لف ودوران: تغذية وبقاء جدل الجنسيات.

لا أريد مجددا الخوض بالتفاصيل لكن الفكرة بإختصار كالتالي: بقاء جدل الجنسيات وفك الإرتباط عبر تعديل تعليمات معدلة وبقاء القلق مستوطنا في أنفس الاف البشر والحفاظ على إنتاجية عناصر الغموض هي الإستراتيجية العبقرية التي تضمن مجتمعا منقسما إلى نصفين .. النصف الأول متوتر وقلق على مصالحه وجنسيته ويعبر عن هذا القلق، والنصف الثاني يرتاب بالأول ويشعر بأن مصالحه الأساسية مهددة إذا ما توقف قلق النصف الأول.

لولا ذلك لما قال أحد مسؤولي الأمن للأسير المحرر وائل حوراني بالحرف: سأسحب جنسيتك .. إبحث لك عن بلد آخر.

يمكن ببساطة هنا ملاحظة بأن المطلوب من حوراني وأمثاله ليس {العودة إلى فلسطين} والتشبث بأرضها وفقا لمنطوق جوهر قصة فك الإرتباط ولكن مغادرة الأردن فقط حتى لو كان إلى جهنم وليس بالضرورة إلى فلسطين لان مسؤول الأمن الأردني ببساطة شديدة كان يستطيع حمل حوراني مخفورا إلى الجسر الفاصل على النهر المقدس وإعادته قسرا إلى فلسطين أرضه الطيبة والتهديد فورا بإغلاق سفارة تل أبيب في عمان وإلغاء وادي عربة لو لم يسمح الكيان الغاضب أمس وشريك السلام اليوم بعبور المواطن الأردني سابقا البدون حاليا وائل حوراني إلى وطنه فلسطين.

لكن نفس المسؤول يعلم بأن المطلوب ضمنيا ليس الحفاظ على هوية فلسطين ولا على هوية الأردن بل تحويل حوراني الأسير المحرر إلى {لغم متجول} في الأردن ينتقد ويبعبع ويشاكس ويعترض ويبحث عن حقوقه فيتضامن معه بعض أمثالي الذين يقصفون بتهمة معلبة دوما لينتهي الأمر بجبهة مقابلة من الأردنيين الوطنيين تبالغ بإسم التجنيس السياسي وتكرس خوف الناس من الوطن البديل … هذا المطلوب بإختصار إنه إثارة القلق والجدل وتخويف كل الأطراف حتى يفلت بعض الفاسدين من عقاب القضاء والشعب وحتى ينسى الشارع الديمقراطية وحتى ينفد النظام من منحنيات وطعجات الربيع العربي.

..هكذا إذا وبكل سذاجة ينشغل النصفان بمخاوفهما فيتسول الأول الدولة وأجهزتها حتى يفلت من ماكينة فرم الجنسيات، ويتمسك الثاني بنفس الأجهزة حتى لا يصبح الأردن وطنا بديلا في الكذبة الأكبر بتاريخ المملكة.

إنه إذن الإستثمار الأكثر غرابة في اللحظة الراهنة لمساحات الغموض في التعليمات الرسمية التي كانت دوما {سرية} فأصبحت فجأة شفافة وعلنية وكذلك لمساحات القلق في أوساط الناس جميع الناس فبقاء بعض {المراهقين} في صدارة المشهد الأردني بيروقراطيا وسياسيا وإعلاميا أصبح يتطلب الإستمرار في لعبة تسالي فك الإرتباط وتواصل عرض مسلسل إنقسام المجتمع ما بين مواطن قلق على حقوقه المدنية والدستورية ومصالحه وجنسيته وآخر قلق على بلده ووطنه برمته بعد تعبئة مستمرة تعيد توظيف وإستثمار كذبة الوطن البديل.

أخشى أن يطور بعض الأخوة من المتاجرين بالوطنية في الأردن ومن طرفي النهر الموحد للأردنيين والفلسطينيين معا فكرا إنعزاليا وإتهاميا يرقى بالتجربة إلى مستوى{التمييز العنصري} إذا لم يتوافق القوم على فهم مشترك فلا يوجد في منطقة بلاد الشام من شعوب اليوم من ولد جده الرابع في المكان الذي يقيم فيه الان.

وإذا إستمرت الدولة برعاية بعض الحوارات الإنقسامية وتغذيتها عن بعد لأغراض أمنية تكتيكية مرحلية بائسة تحت عنوان {حماية النظام} بالفرقة والتحريض.. إذا إستمر ذلك سيأتي يوم يتوحد فيه الشعب بجناحيه الأردني والفلسطيني ضد العقلية المراهقة في إدارة الدولة لهذا الملف.

..عندما يحصل ذلك سيكون أصحاب العقول الضيقة في مؤسسة القرار قد وفروا مساحة واسعة سحبت رصيد النظام عند جميع الفئات الإجتماعية فلا يوجد شيء يوحد الناس في أي مكان أكثر من شعورهم بالخطر أو تحريضهم ضد بعضهم البعض والفتنة عندما يزرعها صاحب قرار أومسؤول أمني أو بيروقراطي تنحصر خياراتها في أحد إحتمالين هما الإرتداد فورا على صاحبها وما يمثله أو الإنفجار العشوائي بحيث تنحرق أصابع الجميع بدون إستثناء.

في الإحتمالين ثمة خسارة فادحة وواضحة للنظام قبل غيره فالحكم الرشيد بحاجة لمحكومين يثقون برشده .. دون ذلك ترقى المسألة لمستوى الإعتباط لان سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها بعض المغامرين في مؤسسات القرار الأردنية وهم يتعاملون مع جدل الجنسيات ومسوغات الحراك في الشارع لن تنفع أحدا وسينقلب السحر على الساحر في المحصلة وسيحدد الشعب خصومه بمنتهى الدقة ويحاكمهم بطريقته عبر التاريخ.

*الكاتب مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن