صحافيون وباحثون أجانب «مرّاقين طريق»

باتر محمد علي وردمباتر محمد علي وردم

لا أؤمن ابدا بنظرية المؤامرة المنتشرة لدينا بأن كل تقرير صحافي أو أكاديمي ينشر من قبل باحث وإعلامي أجنبي هو جزء في مؤامرة لتشويه صورة الدولة والمجتمع وهي نظرية يحبها كثيرا قادة “التنمر السياسي” على الرأي الآخر الذين زاد عددهم مؤخرا. هذا لا يعني ابدا تجاهل ظاهرة قد تكون أسوا في أداء الصحافيين والخبراء الأجانب وهي السطحية الشديدة في التعامل مع الحالة الأردنية والقدرة على كتابة تقارير ضعيفة جدا استنادا إلى مشاهدات شخصية محدودة وربما لقاءات مع عدد قليل من الناس. هذه ببساطة اسلوب صحافة “مرّاقين الطريق” الذين يصلون للأردن لمدة يوم أو اثنين دون معرفة التفاصيل الدقيقة.
المشكلة أن هذه المقالات تجد طريقها للنشر في كبريات الصحف والمجلات العالمية. في الأسبوع الماضي نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز مقالا لطالب دراسات عليا أميركي جاء إلى الأردن في منحة دراسية ولكن مقاله كان معتمدا على معلومات قديمة جدا وربما مناسب للنشر قبل سنة وليس الآن. يوم أمس نشرت صحيفة الإيكونومست المهمة جدا مقالا حول الإصلاح في الأردن مكتوبا بالعقلية الاستشراقية التي بدأت تصبح مثيرة للسخرية وليست فقط الإزعاج خاصة مع تزايد معرفة الناس حول الوضع في الأردن.
مقال الإيكنومست مثل معظم المقالات والدراسات حول الأردن تحاول الإيحاء بوجود صراع بين “أقلية بدوية” وأغلبية فلسطينية الأولى تقاوم الإصلاح والديمقراطية والثانية تعمل على تحقيق ذلك وهي نفس النظرة التي تعود إلى عقود طويلة سابقا ولم تتغير. ما يحدث حاليا في الأردن هو نقاش سياسي اقتصادي على مستوى جيد من النوعية ويتجاوز تماما التوصيفات السابقة التي عفا عليها الزمن ولم تكن اصلا سليمة في وقتها. المقال يستخدم كلمة Indigenous لوصف “البدو” في الأردن وكأنهم أقلية موجودة في المحميات الطبيعية وبعيدة عن الحضارة وهي نفس الكلمة التي تصف الشعوب الأصلية في أستراليا والبرازيل والمهددة بالإنقراض. ليس هذا فقط بل أن الكاتب “المبدع” طرح مصطلحا جديدا هو “الشوفينية البدوية” لتوصيف ممانعة المجتمع الأردني لتوجهات الإصلاح بحسب زعم الكاتب.
للأسف يتم فتح كافة الأبواب أمام هؤلاء الصحافيين وتقديم المعلومات لهم بخاصة من الجهات الرسمية مقابل التعنت في الحديث مع الصحافيين الأردنيين وتكون النتيجة في النهاية مقالا أو دراسة أو تقريرا لا يتضمن المستوى المطلوب من الدقة ويكون تأثيره السلبي كبيرا. حتى في حالات أخرى يتم “استدراج” صحافيين مرموقين من قبل نشطاء سياسيين لعرض وجهة نظر منحازة وأحادية وغير سليمة كما حدث مع روبرت فيسك قبل سنتين والذي وقع في فخ كبير وكتب مقالا بحسب أهواء مجموعة من أصحاب وجهات النظر الضيقة في الأردن.
في مقابل هؤلاء الصحافيين والباحثين “مرّاقين الطريق” هنالك صحافيون أجانب مقيمون في الأردن منذ فترة أو زائرون بشكل متواصل تتميز مقالاتهم ودراساتهم بوصف دقيق ومنصف وشمولي لما يحدث في البلد، ومنهم: نيكولاس سيلي وكيرتس ريان ومارك لينش وغيرهما. ميزة هؤلاء الصحافيين أنهم يتحاورون مع الجميع ويمشون في الشوارع ويراقبون الأحداث ويربطونها زمنيا ولديهم شعور ايجابي تجاه الأردن لا يضعهم في فخ الانحياز سواء مع أو ضد الدولة والمجتمع ولكنهم يتحملون مسؤولية أخلاقية في التدقيق بما يكتبون.
الأردن يتغير وتوجد الكثير من التفاصيل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المثيرة والممتعة والتي يمكن أن تشكل ذخيرة هائلة لصحافيين وباحثين يريدون الخروج من النمط التقليدي. ولكن للأسف لا يزال هنالك من يصر على البقاء في عقلية ما قبل خمسين سنة ولا تزال هنالك صحف ومجلات تقبل نشر هذه المقالات السطحية في عصر تدفق المعلومات الحديثة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s