الهوية الاردنية وسحب الجنسيات

الهوية الاردنية وسحب الجنسيات
كتب : معاذ التل – 
حيثما احط رحالي فذاك وطني ( حكمة قديمة )
 حتى ندخل في هذا الموضوع ونفهمه بصورة واضحة يجب ان نعود الى بدايات القصة ،،،
فقد ظهر الاردن ككيان معترف به دوليا في العام 1921  بعد تأسيس الامارة وربما يكون وبعيدا عن اي حساسية احدى الافرازات لاتفاقية الشهيرين  (سايكس وبيكو) وهو ما ينطبق طبعا على كل منطقة بلاد الشام والعراق والدول التي تفرخت من سوريا الطبيعية وليس على الاردن فقط.
ومع رغبة القوى العالمية بفصل المغرب العربي عن مشرقه عبر اقامة دولة اسرائيل كان لبعض الحكام العرب رأي باننا لا نستطيع مجابهة المؤامرة لكن يمكن الحد من اثارها ،  ومن هؤلاء المرحوم الملك عبدالله الاول الذي ابدى رغبة  في الموافقة على قرار تقسيم فلسطين  الشهير رقم 181 وعلى اعتبار ان العرب لا يملكون خيارا آخر افضل ، لكن ما حدث ان الدول العربية رفضت القرار وقررت دخول الحرب ولو شكليا وذلك بعد انسحاب بريطانيا من فلسطين ، وقد دخلنا الحرب فعلا عام 1947 وكان هناك على ما يبدوا وحسب بعض الشهادات التاريخية ، منها شهادة المجاهد عبدالله التل في كتابه الممنوع لغاية الان من دخول الاردن ( كارثة فلسطين ) اتفاق ضمني  غير معلن بين القيادة الاردنية وبريطانيا على عدم دخول الاردن القتال في الاماكن المخصصة لليهود ( وهو ما لم يحدث بشكل كامل نظرا لرفض بعض الضباط الاردنيين انذاك هذا الامر واصرارهم على اقتحام تلك المناطق) وخاصة القدس التي كان يفترض ان تكون منطقة دولية واستطاع الجيش الاردني الحفاظ عليها.
كان هذا الاتفاق يتضمن ايضا السماح للملك عبدالله الاول بضم ما سوف يتبقى من فلسطين الى مملكته الجديدة.
بعد ضياع فلسطين التاريخية وبقاء الضفة الغربية وقطاع غزة، حدث المؤتمر الشهير ( مؤتمر اريحا ) وطلب المجتمعون انذاك الانضمام الى الاردن، وقد وجهت لهؤلاء تهم الخيانة والتآمر وجوبه المؤتمر بسيل انتقادات كثيرة على اعتبار انه تخلي عن فكرة تحرير فلسطين  وان هذا المؤتمر نظم  اساسا من قبل الاجهزة الامنية الاردنية وبريطانيا التي كان لا  يزال لها سطوة على الاردن عبر ضباطها الموجودين في البلاد وان الفكرة اذابة الهوية الفلسطينية ، لكن ايا كان فان ما حدث امر جيد باعتباره شكل من اشكال الوحدة العربية.
لم يكن انذاك مشكلة هوية في المنطقة ،  فبلاد الشام كانت عبارة عن وحدة جغرافية واحدة وعبارة ( عرب فلسطين ، عرب الاردن ، عرب سوريا ، كانت الاقرب الى التداول ) وكان سكان بلاد الشام ينظرون الى انفسهم على اساس انهم ( سوريون)  فلم يكن أي  مشكلة لاهالي شرق النهر في منح الجنسية لاهالي غرب النهر، خاصة اننا بانتظار التحرير الكامل لجزء من الوطن !!!   لكن النظرة الانكليزية للموضوع وبعض الاطراف الصهيونية كانت مختلفة تماما ، ففكرتهم هي انه  مع  ضم الضفة الغربية للاردن مقابل تجنيس الفلسطينيين الكامل ( بما فيه فلسطيني 48 ) يمكن ان يلغي حق العودة للاجئين ، وهذا الامر كان يفترض ان لا تكون هذه الدولة او النظام القائم فيها معادي لاسرائيل !!! ( الدولة العازلة) ، ولأن في توحيد الشعبين ضد اسرائيل  خطراً بليغاً على هذا الكيان الوليد حديثا ومنع لاستقراره وبناء نفسه على الارض ، وذلك مع وجود اكبر خط مواجهة واستحالة دخول حرب عربية فاعلة دون اشتراك الاردن فيها !!
مع ظهور منظمة التحرير الفلسطينية  وحركة فتح  التي وصفت بانها التعبير الادق عن الهوية الفلسطينية القطرية ،  ومع تجذر القطريات العربية الاخرى  شيئا فشيئا ،  كان من الطبيعي ان تنمو نوازع القطرية لدى كثير من الفلسطينيين شأنهم شأن باقي العرب .
رغب المرحوم ياسر عرفات وانصاره لاحقا باعتبار المنظمة الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني وتم طرح شعارات تداعب العواطف رغم خطورتها ( يا وحدنا ) وبدا الضغط على الاردن للتخلي عن الوصاية على الضفة والفلسطينيين وكان المرحوم الملك حسين ضد هذا الامر من منطلق رغبته باستعادة الضفة الغربية لحكمه ،  وقد اعترض عليه ايضا  قبل استشهاده وبشده المرحوم وصفي التل ، وذلك كون هذا الامر تكريس ( لفلسطنة القضية ) وتمهيداً لدخول مفاوضات سلام وهو ما لا يؤيده بتاتا  ( محاضرة للمرحوم سنة 1970 في الجامعة الاردنية ) .
اضطر الاردن سنة 1974 الى الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني،  واضطر لاحقا الى فك الارتباط في نهاية الثمانيات في خطوة لاقت ترحيبا واسعا من منظمة التحرير وتحديدا مجموعة ابو عمار ، كونها تؤهلهم  لدخول مفاوضات السلام، لكن حين فك الملك حسين الارتباط  اكد ان القرار لا ينطبق  كل من يقيم في الاردن قبل عام 1988 ولكنه يخص اهل الضفة الغربية ومع ذلك لم يطبق القرار الا بشكل جزئي !! وكان الملك حسين قد بين ذات مرة انه وبعد قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة  سيتم  تخيير الاردنيين من اصل فلسطيني ، اما بالهوية الاردنية او الفلسطينية ، وهذا خيار لا شك راقي كونه يمنح الفرد حق الاختيار ، ولا يجبره عليه، فكثير ممن عاش في الاردن لفترة اصبح اردنيا فعلا.
المشكلة ان الاردن كان يطمح وحتى بعد فك الارتباط الى العودة الى دور ما في الضفة الغربية او الى شكل من اشكال الوحدة بعد قيام دولة فلسطينية ،  فلم يقم بدسترة فك الارتباط  وقوننته ،  وهو ربما ما سمح بمزيد من الجدل السياسي الحالي والتحول احيانا من جدل سياسي الى جدل ذا طابع عنصري بغيض.
والان ما الحل !!
ما يجب ان يعلمه الجميع  وهو انه لا يجوز ان تكون في اي دولة موحدة ذات حدود معترف بها اكثر من هوية رئيسية ، او بمعنى وجود هويات فرعية  متنازع بينها،  بل يجب ان يكون هناك هوية واحدة جامعة يكون الانتماء لها اقوى من الانتماءات الفرعية ولا تتعارض تلك الانتماءات الفرعية معها ، والا دخلنا في أتون صراعات ،  اما طائفية او اثنية او جهوية كحال ( لبنان والعراق ) على سبيل المثال ، ولا شك في الاردن يجب ان تكون هوية الشعب هي الهوية( الاردنية) ولو الى حين الاندماج مع محيطنا السوري الاوسع ، بحيث يتم التاسيس دولة عربية ذات طابع قومي .
لكن مما لا شك فيه ايضاً انه لا يجوز ايضا ان تكون هذه الهوية معتمدة على الاصل والمنبت كما يرغب بعض الشوفينيين،  ففي هذا ظلم للناس وتمييز ترفضه كل الاعراف والقوانيين والاديان فمن يرغب ان يكون اردني ( ايا كان اصله)  فهو اردني ،  وعلى ان يتمثل هذا واقعا ، لانه من الظلم ان تجبر انسان على التخلي عن هوية عاش معها لسنوات طوال دون اي ذنب بدر منه !!!  ثم لا ننسى اذا اردنا ان نتحدث عن الولاء والانتماء فان كثير من الاردنيين لديهم هويات فرعية للاسف  يعظمونها على حساب الهوية الاردنية الجامعة ( كهوية المنطقة او المحافظة او العشيرة ) وهذا واضح من خلال ما نشهده من مشاجرات عشائرية ومن خلال الانتخاب على اساس الانتماء الجهوي والعشائري وصلة القرابة .
شخصيا وبرأيي المتواضع ان سحب الجنسية من مئات بل الاف او عشرات الالاف لن يحل مشكلة الهوية ومشكلة الولاء والانتماء فهذه يحلها امر اخر !!!
ان الحل لهذه المشكلة ( اقصد سحب الجنسيات او الارقام الوطنية) يكون عبر طرحها بوضوح وعلانية ومناقشتها مع كافة الاطراف المعنية بها ويمكن تحديد فعلا من ينطبق عليه قرار فك الارتباط من سكان الضفة الغربية او ممن يمكن عودتهم او يرغبون اليها ،  وضرورة عدم ترك المواطن عرضه للخوف والقلق على مستقبله،  وما يرافق هذا من امكانية زعزعة ولائه للدولة التي عاش فيها ، ولكن الاهم من ذلك بكثيرهو الشروع فورا بمشروع وطني يهدف الى التأسيس لدولة مدنية حديثة قائمة على مبدأ المواطنة الحقة والانتماء للوطن ، مع رفض كل النظريات المدمرة ، ومنها تلك التي تطالب بسحب الجنسية من كل من اتى الى الاردن بعد عام 47  !! ومنها تلك التي تطرح مصطلح ( الحقوق المنقوصة) !!  فهو مصطلح يراد به تقسيم البلد على غرار لبنان والعراق الحالي ،  وهي دعوة  تأتي اما عن جهل او سوء نية للوصول الى  نتيجة  لا مناص عنها وهي تفكيك البلد واعادته الى حالة ما قبل الدولة ، عبر آلية ( المحاصصة).
ان الامل كل الامل بأن يقودنا الربيع العربي للتأسيس للدولة الوطنية ، التي تمثل ارادة الشعب والتي تعي ان الصراع في أساسه بين مكونات الشعب هو صراع ( افقي ) لا( عمودي ) ، وهذا لا يكون الا بالانتباه لكل محاولات الاختراق لهذا الربيع العربي الذي اثبت اننا امة حية ، حيث تسعى بعض القوى الى خلق صراعات عامودية بين مكونات الشعب ، بالعمل على تحويل مطالب الجماهير الراغبة بالتخلص من الفقر والفساد والطبقية والظلم الى  الى ربيع أخر  طائفي او اقليمي او اثني وهو ما يبدوا ان الكثيرين بدؤا ينشطون به في الاردن ايضاً كما في سائر الدول العربية.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s