كيف نفهم ما جرى في مخيّم الحسين ؟

ناهض حتر
ليس صحيحا أن أبناء المخيمات لم يشاركوا في الحراك الشعبي منذ بداياته. بالعكس، لطالما شاركوا في حراك عمان والزرقاء ونسبيا في إربد. كذلك، فإن عددا من القادة الشباب للحركة الشعبية هم وطنيون أردنيون (من أصول فلسطينية). وأنا أعرف بعضا منهم، وأعرف مدى إخلاصهم وحماسهم للقضية الوطنية والاجتماعية الأردنية. ومن يتتبع كتاباتي جيدا،لا بد وأنه لاحظ تركيزي على ضرورة وأهمية مشاركة كل الكادحين الأردنيين ـ بلا استثناء ـ في الحراك الشعبي، لتحقيق الاندماج الوطني على أساس وحدة الشعب الأردني ووحدة هويته ووحدة حركته الوطنية التي ترفض الثنائية والمحاصصة.
الصحيح أن المخيمات هي التي لم تشارك. وهو موقف لا ينمّ عن السلبية كما يدعي البعض، ولا عن الخوف كما يدعي آخرون، وإنما ينمّ عن وعي عميق بالتمييز بين أبناء المخيم ـ وهم مواطنون أردنيون وجزء من الشعب الأردني وحراكه ـ وبين المخيم نفسه الذي هو عنوان فلسطيني مرتبط بحق العودة، فلا يجوز أن يكون ـ كمكان وعنوان ـ محلا لعمل سياسي غير فلسطيني.
هذه هي المعادلة المبدعة التي توصل إليها النشطاء المخلصون من أبناء المخيمات: مشاركة خارج المخيم تعبيرا عن المواطنة، وحياد داخل المخيم تعبيرا عن رمزيته الفلسطينية.
الإخوان المسلمون، والحق يقال، التزموا هم أيضا، خلال الستة عشر شهرا الماضية من التحركات الاحتجاجية، بتلك المعادلة. فلطالما حشّدوا من المخيم إلى الشوارع والميادين المفتوحة للجميع، ولكنهم لم يحشّدوا داخل المخيم المغلق على قضية هي أكبر وأخطر من أن تدخل في معترك السياسة اليومية.
يوم الجمعة الماضي، تراجع ” الإخوان” عن هذا الالتزام، ونشّطوا فعالية احتجاجية خاصة في مخيم الحسين، تحت غطاء شعار رفض رفع الأسعار، لكن خطابهم ركّز على ما أسموه تهميش المخيمات! وهو خطاب يوقد حطب الصراع الأهلي.
آمل ألا يتعدى هذا الحدث دائرة التلويح بالقدرات، إلى كونه استراتيجية جديدة للتموضع السياسي في المخيمات، واستخدامها في معارك ” الإخوان” السياسية مع النظام من جهة، ومع الحركة الوطنية الاجتماعية في المحافظات من جهة أخرى.
تتربع على قيادة الحركة الإخوانية الآن، كما هو معروف، العناصر الأصولية والحمساوية، التي تمكنت من إقصاء التيار الوطني الإصلاحي عن كل مواقع القرار في الجماعة وحزبها. وهو تطوّر كان سيقود، حتميا، إلى تغيير في الأولويات والمعايير والحسابات. فالأصوليون والحمساويون ليس لديهم مكان سياسي إلا في المخيمات وامتداداتها الجغرافية والسكانية. ومن الطبيعي أنهم سيلجأون إلى استخدام نقطة قوتهم هذه. وهي، بالذات، نقطة الضعف لدى العناصر القومية واليسارية التي خسرت معظم حضورها في المخيمات، كما هي نقطة الضعف لدى الحركة الوطنية الأردنية التي فشلت في تحقيق اختراق وازن في صفوف الأردنيين من أصول فلسطينية، في موازاة فشل “الإخوان” في تحقيق اختراق ذي معنى في المحافظات. وهكذا، بقي الانفصال السياسي في الحركة الشعبية، قائما، وإنْ كان نائما. ويريد أصوليو وحمساويو “الإخوان”، اليوم، إيقاظه، والإفادة من هذا الوضع الحساس للضغط على الدولة في مركزها العصبي الرئيسي لتحقيق مطلبين متداخلين: نظام انتخابي مفصل على مقاس ” الجماعة” يمنحها القدرة على المشاركة في القرار، وتمهيد الميدان الشعبي والسياسي لعودة حماس.
محاولات ” الإخوان” في الحراك الشعبي جرت في بيئة اجتماعية معادية، ولذلك سَهُلَ التصدي لهم، لكنهم ينتقلون اليوم للتحرك في بيئة صديقة، ويساومون، بالورقة الخطرة،لا النظامَ وحده، وإنما، أيضا، الحراك الشعبي المطروح عليه الالتحاق بالقيادة الإخوانية أو الانقسام المدمر.
حين استولى الأصوليون والحمساويون على قيادة الحركة الإسلامية، كان قيادي من التيار الوطني الإصلاحي في ” الإخوان” يشمت بالنظام وبالحركة الوطنية معا. قال ساخرا: تفضلوا! حلّو مشاكلكو مع هؤلاء ! .

العرب اليوم

ناهض حتر

Advertisements

One thought on “كيف نفهم ما جرى في مخيّم الحسين ؟

  1. حكايات ناهـض حتـر

    سعود أبو محفوظ

    طالعت بامتعاض ما كتبه ناهض بخصوص مسيرة الحركة الإسلامية لشعبة الحسين، ولم أستغرب هذا التوظيف السيء وتلك القراءة الفاسدة وذلك الاعتساف في تحميل المسيرة ما لا يحتمل وما لا تحتمل.

    والشيء الذي نباهي به هنا في الحركة الإسلامية أننا معروفون واضحون شفافون مثل الكريستال ولا يعنينا الغباش في عيون الشانئين، فالمسيرة ليست أكثر من نشاط إصلاحي موضعي بجمهور جله من شعبة الحسين وليس المخيم فقط، ضمن برنامج الفعاليات الإصلاحية لشعبة الإخوان هناك، وهذا ليس أول ولا آخر نشاط لكن العقلية الانعزالية للكاتب المذكور أبت إلا أن تنسب هذا النشاط إلى سياسات جديدة للمكتب التنفيذي مع أنه ليس من عادة المكاتب التنفيذية للجماعة التدخل في النشاطات المحلية للشُّعَب المختلفة، وللحقيقة أنني بالذات علمت بالمسيرة من القيادي الإخواني في الحسين الأستاذ عماد عزام لأنه دعاني لإلقاء كلمة المسيرة فاعتذرت لانشغالي، والمسألة بمجملها عادية ولا تحتمل تلك المبالغات والترهات والتحليلات الانعزالية التي صدع بها رؤوسنا ناهض حتر عبر العقود.

    شباب الإخوان المسلمين وأهالي مخيم الحسين شاركوا في العديد من الفعاليات الإصلاحية داخل المخيم وخارجه ونظموا الكثير من النشاطات السياسية والوطنية الأردنية فهم مواطنون أردنيون قبل أن يرى الكاتب المذكور نور الحياة والمخيم نشأ في وسط عمان للاجئين قبل الوحدة الاندماجية للضفتين التي شكلت أكمل وأنبل وأدوم وحدة في عالم العرب المشهود وأهل المخيم وجلهم من لاجئي مدينة اللد، تضاعفوا أكثر من عشر مرات وتكاثروا ليملؤوا العديد من أحياء عمان وليشكلوا شطراً من نشاط العاصمة الاجتماعي والاقتصادي والوطني، وعماد عزام ووالده المرحوم الشيخ عزام هارون والحركة الإسلامية وأهالي المخيم ليسوا بحاجة إلى صكوك غفران ولا يلتفتون لتلك التجزئة والتقسيمات والحواجز المشبوهة التي اتخذها الكاتب رسالة عمر يموت ويحيا من أجلها، فهو احترف الافتراء على الإخوان المسلمين وامتهن التطاول عليهم لغايات مفهومة لكنه دوماً يجانب الحقيقة ففي المقال المذكور يقدم سيلاً من المزاعم المكذوبة من مثل ضعف الإخوان في المحافظات وتكيُّفهم في المخيمات وتحرزهم من القيام بنشاطات معينة فيها…الخ.

    وللحقيقة فإن ثلث شُعَب الإخوان تقريباً هي في المحافظات وبالكاد تجد فيها أردني منحدر من أصول فلسطينية في المقابل لم تخل شعبة من شعب المدن الكبرى من حجم أو حجوم من الإخوان العشائريين وأحياناً هم الأكثرية في بعض المدن، ونظرة إلى رموز الإخوان تعطيك الحقيقة، ولم تفرد للمخيمات ولا شعبة واحدة باستثناء البقعة وحتى هذه لم تخل على الدوام من عناصر عشائرية كريمة فالإخوان هم سبيكة المجتمع وهم الذين نسجوا وينسجون فتلات المجتمع.

    في المقابل ليس صحيحاً أن الأردنيين من أصول فلسطينية غير منخرطين في الإصلاح لأنهم أبناء مخيمات ولهم حسابات والصحيح أن أكثر هؤلاء خارج المخيمات والمخيمات لا تضم أكثر من ثُمن المجموع وهم مواطنون يتألمون لذات الأوجاع والأوضاع لكن مسيرة الإصلاح الأردنية لا زالت نخبوية وتقوم على أكتاف رموز وشخصيات أصبحت معروفة لأسباب موضوعية وهذه الكتل من اللاجئين والنازحين يفتقرون على الرموز والنخب الكافية للتواصل والتشبيك والتحريك والاستنهاض إضافة إلى أن نوعية الخطاب المقدم ليس شعبوياً وهو خطاب يركز على الفساد والإفساد وهذا لعمقه وتعمقه أصبح جزءاً من ثقافة المواطن التي أدمن عليها فهي موجودة معه وقبله وبعده وما عادت تكفي لتحريكه، ورغم نخبوية الإصلاح فإن غالبية الشرائج المجتمعية وبلا تمييز لديها الجهوزية الكاملة للانخراط في مسيرة الإصلاح والتصدي لغول ارتفاع الأسعار، فالجوع يعض الجميع لا يعرف التفريق بين المواطنين.

    لكم كنت أتمنى على الكاتب أن لو أقلع عن عاداته الأثيرة في التقزيم والتمزيق والتفريق والتسامي ليقدم خطاباً تجميعياً على قاعدة وطنية جامعة تسعى لضم الصفوف إلى الصفوف والكفوف إلى الكفوف لتعمل معاً إلى السير بالوطن إلى مدارج السمو المرغوب من مجموع أبنائه.

    فالأردنيون من أصل فلسطيني صوتوا للدكتور يعقوب زيادين المسيحي الأرثوذكسي الكركي الشيوعي، وقدموا له مقعد القدس عندما كان خطابه ليس فئوياً، ولم يصوتوا لك لما تعرف، بينما قدموا نحواً من خمسة عشر ألف صوت لنائب مسيحي في الزرقاء، عندما فاجأهم غبناً بتقديم لأول مرة بثوب وطني فلما خلعه عاد لخانة الألف صوت التي جمعها ممن حوله وهو حولهم، فالشعب الأردني نفسه عموماً وحدوي ومتماسك ومزاجه معتدل رغم حقنات السموم.

    أما الإخوان المسلمون فهم حركة الأمة وكنانة الوطن وخدم المواطن بمعزل عن أي تصنيف، لذلك بادلهم الناس حباً بحب ووفاء بوفاء في كل أرجاء الوطن، لا بل في كل الأوطان والبلدان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s