السياسـة الأردنيـة وديموغرافيـا «اللجـوء»

28 / 05 / 2012

قصي جعرون

فوق شعاري «بلد المهاجرين والأنصار» و«الأردنيون من شتى المنابت والأصول» اللذين عكسا حالة التنوع التي أسس عليها الأردن الحديث، وشكلا إلى حد ما موقفا رسميا للنظام الذي يسعى جاهدا لتجنب صراع الهوية، تطفو شعارات تقترب من الصراع الذي بقي من بين المحرمات في المجتمع الأردني زمنا طويلا، فيتردد اليوم أن «الأردن للأردنيين» و«الهوية الأردنية» و«التجنيس السياسي».

رحلة البحث عن الهوية، تجد لدى المدافعين عنها، والمنظّرين لها، ذرائع سياسية واقتصادية واجتماعية، تبدأ بالحديث عن البلد الفقير بموارده، والذي لا يحتمل أي زيادة طارئة، وتمتد لتقدم مبررات اجتماعية تتخوف من مما تعتبره بمثابة تهديد محدق بالتشكل الاجتماعي عبر 64 عاماً من اللجوء الفلسطيني تلاه اللجوء العراقي والسوري.

غير أن أكثر ما يلهب حميّة المدافعين عن «الهوية الأردنية» فكرة «الوطن البديل» للفلسطينيين، والمخاوف التي ترتفع وتيرتها تبعا للتصريحات الإسرائيلية، والسياسة الرسمية الأردنية تجاه ملف اللاجئين.

الأردن الذي يشكل «جزيرة آمنة» حتى الآن في محيط ملتهب، بقي مقصدا للاجئين من دول الجوار، من اللجوء التاريخي للفلسطينيين بعد حربي 1948 و1967، مرورا بلجوء العراقيين منذ العام 1991 حتى العام 2003، وصولا إلى تدفق اللاجئين السوريين بفعل الثورة المطالبة بإسقاط النظام السوري، لتعصف بالديموغرافيا الأردنية تغيرات جذرية في اقل من 60 عاما من عمر البلاد والتي تحتفل بالذكرى الـ66 على استقلالها.

تدفق بشري استقر السواد الأعظم منه في الأردن، وأصبح موضع تنازع حول حجمه ونسبته من التعداد السكاني الذي بات يشكل الأردنيون الأقلية فيه، من دون وجود إحصائيات رسمية تفضّ هذا النزاع وتنهيه.

«الخوف على الهوية» ترتفع وتيرته كلما تدفق اللاجؤون إلى الأردن «الجزيرة الآمنة» كما يصفها المدافعون عن بلد «الأمن والأمان» على حد قولهم، فاليوم، ومع تدفق اللاجئين السوريين الذين تحصيهم الجهات الرسمية بـ150 ألف لأجئ، وهو رقم يزيد بشكل كبير في الإحصاءات التقديرية للمنظمات الإغاثية، يبرز الحديث عن الهوية التي تتحول إلى لاعب في القرار السياسي حيال الأزمة إلى جوار عوامل أخرى.

اللاجؤون السوريون بقوا في بداية الأزمة «ضيوفا»، على حد التعبير الرسمي للنظام الأردني الذي أطلق بعد مضي ستة أشهر من تدفق اللاجئين السوريين من الثورة التي مضى عليها عام ونصف العام وصف «لاجئين»، وهو وصف عكس عدم رغبة النظام الأردني بإحراج النظام السوري من باب ملف اللاجئين. عدم الرغبة في الإحراج الذي يتواصل برفض الأردن افتتاح مخيم اللاجئين الذي جهزته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في «رباع السرحان» في محافظة المفرق المتاخمة للحدود السورية، يأتي حفاظا على الأمن القومي الأردني الذي لن يتوانى الجانب السوري عن تهديده كما يرى بعض السياسيين.

الموقف الأردني المتحفظ تجاه الثورة السورية يرجعه اقتصاديون إلى ما تشكله سوريا من شريان للتجارة الأردنية التي يمر 80 في المئة منها عبر الأراضي السورية.

العوامل الاقتصادية والسياسية على أهميتها ينافسهما عامل الهوية الوطنية المتخوف من استقرار اللاجئين السوريين مع استمرار الأزمة السورية ودخولهم مرحلة «التنافس» مع اللاجئين السابقين على مقدرات البلد.

يشار إلى أن غالبية الأردنيين من سكان المحافظات الشمالية ينحازون للدفاع عن النظام السوري، انحيازاً عكسه توقيع نواب محافظات الشمال في مجلس النواب الأردني على عريضة تحذر من انجرار النظام الأردني لـ«المؤامرة التي تتعرض لها سوريا». مصدر «التهديد على الهوية الأردنية» من اللاجئين السوريين مردّه إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما أقدم النظام الأردني على تجنيس السوريين الذين فروا إليه بعد أحداث حماه، والذين أجادوا التجارة وسيطروا على جزء من رأس مال البلد.

ودخل التجنيس مرحلة الصراع لا سيما بعد الكشف عن قيام مدير الاستخبارات الأسبق محمد الذهبي تجنيس العديد من العراقيين.

وكإشارة «تطمينية» من قبل النظام تجاه المدافعين عن «الهوية» ترفض وزارة الداخلية السماح بتكفيل الفلسطينيين من حملة الوثائق السورية ممن لجأوا إلى الأردن.

السفير اللبنانية

الصورة بعدسة الزميل محمد ابو غوش

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s