اسرار لعبة “فك الإرتباط” في الاردن ؟!!


كتب: بسام البدارين – عمان – –

كل إنسان في الكرة الأرضية كتبت عليه الإقامة في بلد ليست بلده وبصرف النظر عن مواطنته وجنسيته لديه {وطن أم} أو وطن أصلي غادره قسرا أوطوعا لأي سبب ويتوق إلى العودة إليه إن كانت هذه العودة خيارا متاحا.

ولا أتصور يوما أن أقابل إنسانا طبيعيا ينسى وطنه الأصلي أو مسقط رأس أجداده ويرضى بديلا عنه في حال من الأحوال.

.. هذه المقدمة الإنشائية قد تبدو ضرورية للتحدث مرة أخرى عن تسالي لعبة فك الإرتباط في الأردن فمصدر {غامض} سرب قبل يومين لإحدى الصحف بشفافية مفاجئة إجتاحت السلطة تعليمات أكثرغموضا تخص الحالات التي ستسحب فيها الجنسيات على أساس شرح مستجدات قرار فك الإرتباط التي تنمو كما يحصل مع الخيار ‘المهرمن’ فتكبر وتصغر بين الحين والأخر وفقا لحسابات المزاج البيروقراطي.

واضح تماما أن الغموض هنا اصطنع قصدا لان البند الأخطر في التعليمات الجديدة التي ولدت كابن ضال لا تريد السلطة الإعتراف بأبوته بعد لأغراض الإختبار طبعا- يتعلق بسحب الجنسية الأردنية من الذين يحملون تصاريح إحتلال نافذة المفعول .. بند خطر لانه سيؤدي لو طبق فعلا لرمي عشرات الألوف من البشر في قائمة {البدون} التي تعني أن ضحاياها حاصلون على صفة {أردني سابقا} دون التمتع بصفة {فلسطيني لاحقا}.

طوال يوم الأحد وبعد نشر التسريبات حول التعليمات الجديدة تلقيت عشرات الإتصالات الهاتفية وأجريت العشرات بحثا عن مسؤول حكومي ولو واحد يعلن {أبوة} الدولة الأردنية لهذه التعليمات أو حتى يتنصل منها ولم أوفق.

وزير الداخلية إنشغل مع مجلس الأعيان ومدير المتابعة والتفتيش وهو الجهاز المتخصص بسحب الجنسيات خارج البلاد .. كذلك مدير الجوازات ..مسؤول مكتب الجنسية أغلق مكتبه ووزراء الشؤون القانونية في الحكومة لا يردون على هواتفهم والزميل الناطق الرسمي بإسم الداخلية بعد عدة مكالمات معه إلتزم بقاعدة{ ما المسؤول أعلم من السائل}.

تخيلوا معي المشهد: تنشر تسريبات تخص الملف الأكثر حساسية في الأردن وتقول هذه التسريبات ضمنيا لنحو {مليون بني آدم} على الأقل بأن جنسياتهم مهددة فجأة ولا يخرج أحد من السلطة ليقول علنا بأن هذه التسريبات صحيحة او غير صحيحة.

ذلك بلغة البيروقراطية الأردنية لا يعني إلا أن المسألة صحيحة وسربت لأغراض الإختبار وقياس ردود الفعل والأهم أن القصة صممت بطريقة تضمن تماما للسلطة ما تريده وهو بإختصار وبدون لف ودوران: تغذية وبقاء جدل الجنسيات.

لا أريد مجددا الخوض بالتفاصيل لكن الفكرة بإختصار كالتالي: بقاء جدل الجنسيات وفك الإرتباط عبر تعديل تعليمات معدلة وبقاء القلق مستوطنا في أنفس الاف البشر والحفاظ على إنتاجية عناصر الغموض هي الإستراتيجية العبقرية التي تضمن مجتمعا منقسما إلى نصفين .. النصف الأول متوتر وقلق على مصالحه وجنسيته ويعبر عن هذا القلق، والنصف الثاني يرتاب بالأول ويشعر بأن مصالحه الأساسية مهددة إذا ما توقف قلق النصف الأول.

لولا ذلك لما قال أحد مسؤولي الأمن للأسير المحرر وائل حوراني بالحرف: سأسحب جنسيتك .. إبحث لك عن بلد آخر.

يمكن ببساطة هنا ملاحظة بأن المطلوب من حوراني وأمثاله ليس {العودة إلى فلسطين} والتشبث بأرضها وفقا لمنطوق جوهر قصة فك الإرتباط ولكن مغادرة الأردن فقط حتى لو كان إلى جهنم وليس بالضرورة إلى فلسطين لان مسؤول الأمن الأردني ببساطة شديدة كان يستطيع حمل حوراني مخفورا إلى الجسر الفاصل على النهر المقدس وإعادته قسرا إلى فلسطين أرضه الطيبة والتهديد فورا بإغلاق سفارة تل أبيب في عمان وإلغاء وادي عربة لو لم يسمح الكيان الغاضب أمس وشريك السلام اليوم بعبور المواطن الأردني سابقا البدون حاليا وائل حوراني إلى وطنه فلسطين.

لكن نفس المسؤول يعلم بأن المطلوب ضمنيا ليس الحفاظ على هوية فلسطين ولا على هوية الأردن بل تحويل حوراني الأسير المحرر إلى {لغم متجول} في الأردن ينتقد ويبعبع ويشاكس ويعترض ويبحث عن حقوقه فيتضامن معه بعض أمثالي الذين يقصفون بتهمة معلبة دوما لينتهي الأمر بجبهة مقابلة من الأردنيين الوطنيين تبالغ بإسم التجنيس السياسي وتكرس خوف الناس من الوطن البديل … هذا المطلوب بإختصار إنه إثارة القلق والجدل وتخويف كل الأطراف حتى يفلت بعض الفاسدين من عقاب القضاء والشعب وحتى ينسى الشارع الديمقراطية وحتى ينفد النظام من منحنيات وطعجات الربيع العربي.

..هكذا إذا وبكل سذاجة ينشغل النصفان بمخاوفهما فيتسول الأول الدولة وأجهزتها حتى يفلت من ماكينة فرم الجنسيات، ويتمسك الثاني بنفس الأجهزة حتى لا يصبح الأردن وطنا بديلا في الكذبة الأكبر بتاريخ المملكة.

إنه إذن الإستثمار الأكثر غرابة في اللحظة الراهنة لمساحات الغموض في التعليمات الرسمية التي كانت دوما {سرية} فأصبحت فجأة شفافة وعلنية وكذلك لمساحات القلق في أوساط الناس جميع الناس فبقاء بعض {المراهقين} في صدارة المشهد الأردني بيروقراطيا وسياسيا وإعلاميا أصبح يتطلب الإستمرار في لعبة تسالي فك الإرتباط وتواصل عرض مسلسل إنقسام المجتمع ما بين مواطن قلق على حقوقه المدنية والدستورية ومصالحه وجنسيته وآخر قلق على بلده ووطنه برمته بعد تعبئة مستمرة تعيد توظيف وإستثمار كذبة الوطن البديل.

أخشى أن يطور بعض الأخوة من المتاجرين بالوطنية في الأردن ومن طرفي النهر الموحد للأردنيين والفلسطينيين معا فكرا إنعزاليا وإتهاميا يرقى بالتجربة إلى مستوى{التمييز العنصري} إذا لم يتوافق القوم على فهم مشترك فلا يوجد في منطقة بلاد الشام من شعوب اليوم من ولد جده الرابع في المكان الذي يقيم فيه الان.

وإذا إستمرت الدولة برعاية بعض الحوارات الإنقسامية وتغذيتها عن بعد لأغراض أمنية تكتيكية مرحلية بائسة تحت عنوان {حماية النظام} بالفرقة والتحريض.. إذا إستمر ذلك سيأتي يوم يتوحد فيه الشعب بجناحيه الأردني والفلسطيني ضد العقلية المراهقة في إدارة الدولة لهذا الملف.

..عندما يحصل ذلك سيكون أصحاب العقول الضيقة في مؤسسة القرار قد وفروا مساحة واسعة سحبت رصيد النظام عند جميع الفئات الإجتماعية فلا يوجد شيء يوحد الناس في أي مكان أكثر من شعورهم بالخطر أو تحريضهم ضد بعضهم البعض والفتنة عندما يزرعها صاحب قرار أومسؤول أمني أو بيروقراطي تنحصر خياراتها في أحد إحتمالين هما الإرتداد فورا على صاحبها وما يمثله أو الإنفجار العشوائي بحيث تنحرق أصابع الجميع بدون إستثناء.

في الإحتمالين ثمة خسارة فادحة وواضحة للنظام قبل غيره فالحكم الرشيد بحاجة لمحكومين يثقون برشده .. دون ذلك ترقى المسألة لمستوى الإعتباط لان سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها بعض المغامرين في مؤسسات القرار الأردنية وهم يتعاملون مع جدل الجنسيات ومسوغات الحراك في الشارع لن تنفع أحدا وسينقلب السحر على الساحر في المحصلة وسيحدد الشعب خصومه بمنتهى الدقة ويحاكمهم بطريقته عبر التاريخ.

*الكاتب مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s