مواطن انتهت صلاحيته..!


بقلم انيس فوزي قاسم

اري أردنياً كامل الدسم حتى إشعار آخر، فإنني أشعر بالألم من هذا الخلط الشديد لقضية في غاية البساطة، سيما وأن الذين يمارسون هذا الخلط إعلاميون في مواقع رسمية أو شبه رسمية، ونخب ذات وزن ومراس في العمل العام. ويجب أن أضيف أن الغالبية العظمى من هؤلاء وأولئك لا تمارس هذا الخلط بسوء قصد، بل أرى أنها تبتعد عن المفصل الرئيس في المشكلة التي تطفو على السطح بين الفينة والفينة، وهي مشكلة سحب الجنسية الأردنية من مواطنين أردنيين ذوي أصول فلسطينية، وذلك بذرائع مختلفة، فمرة بحجة أن سحب هذه الجنسية هو تنفيذ لقرار فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، ومرة أخرى يقولون إنه ليس سحباً للجنسية بل هو عملية “تصويب”، ومرة ثالثة يدّعون أن ما تقوم به الحكومه الأردنية هو تنفيذ لرغبة “الأشقّاء” الفلسطينيين، ورابعة مؤداها ان ما تقوم به الحكومة هو لتثبيت الأهل في فلسطين، ومرة خامسة يقولون إن الحديث عن سحب الجنسية هو “استهداف” للأردن ولذلك طالب وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال الدكتور نبيل الشريف مؤخراً بـ “هبّة” لحماية الاردن. وأرى أن جميع هذه الأقوال لا تصمد عند تفكيكها، ولاسيما القول إنها تنفيذ لرغبة الأشقاء الفلسطينيين، لأنه لو طلب الأشقاء الفلسطينيون من الحكومة الأردنية أن تتوقف عن عمليات “التصويب”، فهل سوف تستجيب الحكومة للطلب؟!
ومما يزيد من الألم ان احاديث بعض الرسميين تعطي الانطباع أن المواطنين الذين سحبت جنسياتهم غير موالين لفلسطين، وهم بإصرارهم على التمسك بجنسيتهم الاردنية ينفذون الخطة الصهيونية في تفريغ الارض الفلسطينية، وتحويل الاردن الى فلسطين. وتتحول القضية من قضية فردية تتعلق بحق من حقوق الانسان في الجنسية الى قضية وطنية تتبارى فيها دولة – بكل مقوماتها- مع فرد مطعون في وطنيته، ولا يملك في مواجهة الدولة اي دفاع او غطاء أو منبر اعلامي للدفاع عن موقفه، ولا يملك حقاً في ولوج باب القضاء بعد ان اوصد في وجهه تماماً.
علينا ان نقرّ – بادئ ذي بدء- انه لا يوجد “قرار” بفك الارتباط وكل ما نعلم به هو خطاب جلالة المغفور له الحسين بن طلال في 31/7/1988، ولم تتم صياغة ذلك الخطاب على شكل قرار ملكي يأخذ صياغة قانونية وشكلاً قانونياً تفرضه المادة (93) من الدستور، وصدرت على اثر ذلك الخطاب الملكي سلسلة من التعليمات التي مسّت حياة الآلاف من الاردنيين مع العلم انها ماتزال شبه سرية، حيث لم تنشر لا في الجريدة الرسمية ولا في الصحف المحلية، ولم ترد على لسان الناطقين الاعلاميين الرسميين. ثم لا يعلم الجمهور ما هي المعايير التي يتم فيها سحب الجنسية او “تصويب الاوضاع”، وما انفكت هذه المعايير سرية او شبه سرية، فضلاً عن أن هذه التعليمات والمعايير تخضع لتفسيرات الشخص المسؤول في تلك الفترة، ما خلق اضطرابات في رسم نتائج منطقية. وفوق هذه وتلك، فإن القضاء منع من النظر في اي دعوى تتعلق بسحب الجنسية بمقولة ان هذا عمل من أعمال السيادة.
وعلينا ان نقرّ- ثانياً- أن دولة تقوم على قواعد دستورية وفيها قوانين تنظم تصرفاتها، وأن جميع المواطنين فيها يعيشون تحت سقف القانون، فان الابقاء على سرية التعليمات وسرية المعايير وإغلاق باب القضاء أمور تثير الريبة والشك ولا تبعث على الطمأنينة، سيما واننا نتعامل هنا بقضية تتعلق بحق أصيل من حقوق المواطن، وهو حقه في الجنسية. وقد فرض الدستور على الحكومة ان تنظم الجنسية بقانون وصدر قانون الجنسية في العام 1954 ونظم طرق سحب الجنسية وجعلها بيد مجلس الوزراء وليس بيد دائرة، ورهن قرار مجلس الوزراء بمصادقة جلالة الملك لكي يثقل في القيود المفروضة على الجهاز التنفيذي حين يتخذ قراراً بسحب جنسية الاردني وهي قيود تتماشى ومعايير مواثيق حقوق الانسان المعاصر.
وعلينا ان نقرّ – ثالثاً- أن الاردني من اصل فلسطيني لم يكتسب الجنسية بتقديم طلب للتجنّس، بل فرضت عليه الجنسية الاردنية فرضاً، وذلك حين اصدر مجلس الوزراء الاردني بتاريخ 20/12/1949 تعديلاً لقانون الجنسية الاردني لعام 1928، وكانت الضفة الغربية آنذاك تدار بموجب قانون الدفاع من قبل الحاكم العسكري اعتباراً من 19/5/1948. وقد نصت المادة الثانية من التعديل على ان “جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الاردن او في المنطقة الغربية التي تدار من قبل المملكة الاردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يعتبرون انهم حازوا الجنسية الاردنية ويتمتعون بجميع ما للاردنيين من حقوق ويتحملون ما عليهم من واجبات”.
وواجب الوفاء يقتضي الاعتراف بفضل الاردن في اتخاذ تلك الخطوة التشريعية، اذ وفر على الفلسطينيين، الذين اكتسبوا الجنسية الاردنية عناء وعذاب العيش بوثيقة سفر. ولذلك يجب التذكير ان الاردني من اصل فلسطيني، بعد ستين عاماً من اكتساب الجنسية الاردنية، ليس مواطناً انتهت صلاحيته كما لو كان منتجاً معلباً وحان وقت التخلص منه، بل هو مواطن أصيل خدم الدولة ودفع الضريبة وحمل اسمها وجنسيتها جيلاً بعد جيل.
وعلينا ان نقرّ –رابعاً- انه كما فرضت الجنسية في العام 1949 وعلى نحو جماعي، جُرّد هؤلاء من جنسيتهم الاردنية ايضاً في العام 1988، اذ أفاق سكان الضفة الغربية (وعددهم حوالي 2,5 مليون نسمه، وليس 2700 حالة كما ادعى تقرير الهيومن رايتس) من نومهم يوم 1/8/1988 فاذا هم عديمو الجنسية، لأنه لا توجد في القانون جنسية فلسطينية. وفي الحالتين لم يتقدم احد من الفلسطينيين لا افراداً ولا قيادات لا بطلب فرض الجنسية ولا بطلب سحبها. وليس المجال هنا لمناقشة مخاطر تجريد سكان الضفة الغربية من جنسيتهم الاردنية وهم تحت الاحتلال الصهيوني، الاّ انه من المبرر التساؤل كيف نفسّر هذا السلوك لإجراءات تقوم بفرض جنسيتها على شعب كامل وتسحبها منه من دون انذارات مسبقة ومن دون مقدمات ومن دون تبصّر في النتائج التي تترتب على افراد ذلك الشعب؟!
وعلينا أن نقرّ – خامساً- ان تجديد البطاقة الصفراء ليس – في معظم الحالات- خياراً لحاملها، إذ أنّ الامر والنهي في هذه الحالة يخضع لرغبة سلطة الحكم العسكري الصهيوني. وكم كان حريّاً بالحكومة الاردنية ان تصرّ اثناء مفاوضات وادي عربة على حمل اسرائيل بتجديد هذه البطاقات، او حمل اسرائيل على قبول النازحين او- على الاقل – قبول عدد محدد منهم، بدلاً من إلقاء العبء على الافراد الذين لا يملكون في مواجهة سلطة الاحتلال اية قوة تفاوضية كما هي قوة الدولة، سيما وأن تلك المفاوضات جرت في ظل وضع كان ملائماً للاردن اكثر مما هو عليه الان. لا بل استطيع القول ان الوقت مايزال ملائماً وذلك بعدم اعفاء 2500 سلعة اسرائيلية من الرسوم الضريبية الاردنية، وذلك حسب ما ورد في بيان وزير الصناعة التجاري في 20/1/2010، او بعرقلة دخول المنتجات الاسرائيلية الى السوق الاردني او عبورها الى السوق العراقي، او وقف التعاون الامني معها. اي ان بيد الاردن اوراق ضغط ليمارسها على اسرائيل في هذا الصدد.
أكرر القول إنني اردني كامل الدسم باعتباري احمل رقماً وطنياً ولا أحمل بطاقة خضراء ولا صفراء، ولست من مواطني القدس، ولست من مواطني غزه لا قبل العام 1967 (حملة شهادات المرحوم الحاج رشاد الشوا) ولا بعده، ولا من نازحي حرب حزيران. ومع ذلك أشعر بالقلق الشديد بسبب ان لي امتداداً فلسطينياً. واحياناً ينتابني شعور بأنني لست مواطناً انتهت صلاحيته فحسب، بل أيضاً انني مواطن بلاستيكي يمكن التخلّص منه بالقائه في سلة النفايات، وذلك لكي تؤكد سلطة المتابعة والتفتيش للاحتلال الصهيوني ان الاردن ليس فلسطين، وكأنني أنا المسؤول عن ترداد الادعاءات الصهيونية، او أنني اردد تلك الادعاءات.
ولا أخفي وجعي من أن الذين يلعبون بورقة سحب الجنسية من الاردنيين من ذوي الاصول الفلسطينية، انما – وبغير قصد منهم – يخلقون تشققات في بنية المجتمع الاردني تتخلل منها الصهيونية كما تخللت عبر التشققات المجتمعيه في لبنان والتي جعلت من شبكات التجسس المكتشفه في لبنان حتى الان اكثر من عدد البارات في شارع الحمراء.
أيها السادة، اننا مواطنون في دولة، ولسنا ركاب درجة سياحية في طائرة!! فاتقوا الله قبل ان تتذرعوا بالهيومن رايتس ووتش، وهناك قانون جنسية أردني يجب علينا جميعاً الاعتصام به.

Advertisements

One thought on “مواطن انتهت صلاحيته..!

  1. أقتبس ” اردني كامل الدسم باعتباري احمل رقماً وطنياً ولا أحمل بطاقة خضراء ولا صفراء، ولست من مواطني القدس، ولست من مواطني غزه لا قبل العام 1967 (حملة شهادات المرحوم الحاج رشاد الشوا) ولا بعده، ولا من نازحي حرب حزيران. ومع ذلك أشعر بالقلق الشديد بسبب ان لي امتداداً فلسطينياً. ” وأقول لماذا يعترك القلق وانت كما تدعي مواطن كامل الدسم برقم وطني ،واذا كنت كذلك لم لا تدافع عن القرار السيادي ” فك الارتباط الاداري والقانوني ” الذي كان السبب الرئيسي فيه رئيس منظمة التحرير السابق ياسر عرفات ، لقد عاش الفلسطينيون سنواتهم الطويلة بيننا هنا في الاردن دون ان نشعر نحن أهل البلاد ، ولا هم اللاجئين او النازحين او العائدين بأية حساسية ، كانت حياة يسودها المحبة والوئام ، الى ان جاءت منظمة التحرير الفلسطينية ، التي حملت لواء التحرير ربما ..ولم تحررشيئ سوى شيكات الى المسؤولين متناسين الفلسطنيين الغلابى الذين يعانون الفقر والحرمان نتيجة هجراتهم المتتالية ، دون ان يحملوا من متاع الدنيا اثناء هجراتهم اي شئ ، فحاد منظروا المنظمة وقادتها عن جادة الصواب بحكم عدم الفهم بطبيعة الاردنيين ، فلعبوا بعش الدبابير الذي ادمى هاماتهم وجرى ما جرى في ايلول 1970 كما تعلم ، وتحركت بعدها غرائز الفلسطيني الذي كان بالامس المواطن الصالح ،الى العبث بالوحدة الوطنية التي ننشدها بقوة نحن الاردنيين ، اخي كامل الدسم لا اريد ان احصي لك كم مرة ذكرت فيها انت الجنسية والرقم الوطني والتجنيس ، ربما لو انتزعت هذه المفردات من مشاركتك لاصبح موضوعك خالي الدسم ، مرة اخرى على هونك وأسلم عليك .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s