الهوية الوطنية الأردنية والإصلاح محمد برهومة

إلى أيّ حدّ تصحّ الهواجس المتعلقة بأن يقود الإصلاح في الأردن إلى تصدّع الهوية الأردنية، وتقديم المَدد لطروحات إسرائيل حول “الوطن البديل”؟
وهل تشكّل هذه الهواجس عقبات أمام إنجاز الإصلاح؟ وهل تزداد القناعة بأن غياب الإصلاح يضر بالشرق أردنيين والأردنيين من أصول فلسطينية على حد سواء؟
أزعم أن النقاش حول هذه القضايا ما يزال مشحونا بالحساسيات والانفعالات، بدون أن نفتقد بالطبع وجود طروحات عقلانية وجريئة مثمرة، لكنها ما تزال قليلة وحذِرة.
الإصلاح السياسي في الأردن لا يكتمل ولا يأخذ مداه باتجاه تجذير الحكم الرشيد بدون بلورة إجماع وطني سديد حول الهوية الأردنية، ينتقل من مفهوم المواطنة القائمة على الوطنية والجنسية (Nationality) إلى مفهوم المواطنة الكاملة(citizenship) .
فالمؤكد أنّ التحوّل الديمقراطي لا يكتمل بالاقتصار على الأداة الانتخابية وحدها، ما لم يستتبع ذلك تحوّل أساسي في وعي المجتمعات، بحيث ينقل ولاءاتها المشتتة والمتعددة التي تنتظم تحت سلّم العائلة والعشيرة والدين والإثنية باتجاه الولاء الوطني الجامع الذي ينتظم تحت عنوان المشاركة في المواطنة والسلطة والثروة .
والمواطن، كما قال أرسطو، لا يكون مواطنا إلا بالمشاركة، والولاءات الأولية حين تكون منفتحة وغير عصبوية، إنما هي رافد جوهري لخلق هوية وطنية جامعة تتسم بالتنوع والغنى، لأنّ منطق التنوّع يقوم على مقاومة الإقصاء والتفرد وطرد فكرة أنّ القليل أو الصغير بلا أهمية.
إذن، لا أحد ينادي بترك الافتخار بالنسب والعشيرة والعائلة وما سواها مما يتعلّق بحنين البشر وانتمائهم لبيئتهم وحبهم لأهليهم وما فُطر عليه البشر، بل ما يُراد قوله أنْ لا تكون هذه الهويات متقدمة على الولاء الوطني العام.
والخطر على الوطنية الجامعة أن تمرض الهويات الأولية بالتعصّب والانغلاق. حين تحدّث مروان المعشر ومارينا أوتاوي في تقريرهما الصادر عن “مؤسسة كارنيغي” الشهر الماضي عن الإصلاح في الأردن، قالا إن “إحدى القضايا الرئيسة التي تؤثّر في حديث الإصلاح في الأردن تكمن في هشاشة الهوية الوطنية المشتركة”، وإن النقاش حول قضية الهوية مدعاة انقسام . وذكرا أن عدم إيجاد تسوية للصراع العربي-الإسرائيلي أثّر في تطور هوية وطنية حديثة وصحية، كما استُخدم هذا الصراع لإعاقة عملية الإصلاح السياسي.
وزعم التقرير أنّ “لجنة الحوار الوطني” فشلت مجددا في تحديد من هو الأردنيّ.الهوية الوطنية الجامعة لا تقوم إن لم تتأسس على قواعد قانونية ودستورية تؤكد بدون التباس أن الرقم الوطني الذي يحمله أي مواطن أردني، على اختلاف أصله أو منبته أو عقيدته، إنما يعني مساواة كاملة في حقوق المواطنة وواجباتها، وما تتضمنه من مسؤوليات ومكتسبات.
وأجواء “الربيع العربي” والمكوّن الديني والوطني والعروبي لدى الشرق أردنيين والأردنيين من أصول فلسطينية، ناهيك عن التوّحد في مواجهة الخطر الإسرائيلي، والتشابك الأخوي والاجتماعي فضلا عن المصالح المشتركة (ومن ضمنها المصلحة المشتركة في الإصلاح) إنما هي فرص مؤكدة لتمتين هويتنا الوطنية وليس إضعافها.
أي إن الإصلاح الحقيقي هو عنصر تقوية للوحدة الوطنية وتمتين الهوية الجامعة. والانقسام الذي سيسمح به أي إصلاح ديمقراطي ناضج وعميق هو اختلاف المواطنين على الأفكار والسياسات والرؤى والمصالح، فمثل هذا الانقسام لا يدخل في إطار الوحدة الوطنية متى ما تبددت هواجس الهوية، بل إن أساس العمل السياسي يقوم على الصراع بين الأحزاب والجماعات والقوى على تمثيل المصالح الوطنية العليا، والدفاع عن المواطن وخلق أفضل الطرق لتحقيق العيش الكريم وصون كرامة الناس وحرياتهم.
ولذا، فإن أيّ اتجاهات لتعزيز الاستقطاب حول “الهويات الأولية” وعلى الضد من الهوية الوطنية الجامعة، لن تنتج إصلاحا معافى، بل ستخلق مسارا مليئا بالعلل والتشوّهات.

عن “الغد”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s