هل هذا الأردن هو وطن حقيقي…؟

هل هذا الأردن هو وطن حقيقي…؟

هل هذا الأردن هو وطن حقيقي…؟ أ. جمال م. ذنيبات

وأجيب على هذا السؤال الكبير برد سيغلب عليه أسلوب التحليل التاريخي، وليس سرد الوقائع التاريخية، وان كان هنالك من إشارة لواقعة تاريخية بعينها، فسيكون الغرض من ذلك الاستشهاد بها معرض التحليل ليس إلا.

 الأردن وطن حقيقي.. فهو ‘ المملكة الأردنية الهاشمية’ وهو بهذا المعنى لا يختلف في مكوناته الأساسية عن أي كيان آخر من حيث الأرض والشعب والشخصية.. الخ. فالوطن الأردني احتل مكانه بكل جدارة في هذا العالم نتيجة ثمرة تفاعل عوامل ثنائية منها التاريخ والجغرافيا، البداوة والاستقرار، الطموحات والممكنات، القيادة والشعب، الواقع والوهم، الوطنية والقومية، المحافظة والانفتاح.. الخ. فالوطن الأردني هو الشجرة الباسقة النموذجية والبوتقة الحية من حيث التعددية الاجتماعية والثقافية والدينية والجذرية الضاربة في قيعان الوطن والأرض الأردنية المنصهرة في ساحته الجغرافية والتاريخية. بالرغم من هذه الثنائيات المتفاعلة والتعدديات، استطاع الوطن الأردني ان يكسب الرهان وان يبني ويشيد ويتمأسس ويصبح مثل أي دولة حديثة. من حسن حظ هذه المساحة الجغرافية (شرق الأردن) وبعد الحرب الكونية الأولى، قيض الله تعالى لها ان تكون برعاية المغفور الملك المؤسس ( عبدالله الأول ) طيب الله ثراه الذي تميز بالحكمة وبعد النظر والبصيرة واستلم الراية من بعده ربانها الماهر المغفور له ( الحسين الخالد ) طيب الله ثراه.. صاحب الرؤية الثاقبة الفذة والإدراك العميق لحيثيات القوة والتغيير على كافة الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.. ولا أبالغ حين أقول ان تاريخ الوطن الأردني هو محصلة تفاعل الأسرة الهاشمية الحاكمة مع الشعب الأردني بكافة منابته وأصوله المقدسة ومحصلة هذا التفاعل مع القوى القومية والدولية وفي مقدمتها القضية المركزية للأمة العربية( المسألة الفلسطينية) ويكفينا فخراً ان نستذكر معاً الانجاز العظيم للقائد الملك المؤسس الذي اخرج بكل عظمة وبراعة وحنكة ( الوطن الأردني ) من المنطقة التي شملها ‘ وعد بلفور المشؤوم’ الصادر عام 1917م وأكد علية صك الانتداب الصادر عام 1922 م. وهنا كانت الولادة الشرعية والبداية التكوينية السياسية للوطن الأردني، وبعد معركة ميسلون عام 1920 م والتي أدت الى سقوط الحكم الفيصلي في سوريا، وما تبعه من وصول الأمير عبدالله بن الحسين في وقت لاحق من العام نفسه الى مدينة معان جنوبي الأردن بناء على دعوة رجالات الأردن والطلائع القيادية في الثورة العربية الكبرى الى الشريف حسين طيب الله ثراه لإرسال احد أنجاله لقيادة البقية الباقية من سرايا القوة العربية لمحاربة الفرنسيين وإخراجهم من دمشق، وعند وصول الأمير عبدالله للأردن لم يكن في أجندته إقامة إمارة له في هذه المساحة الجغرافية من سوريا الكبرى، بل جاء ليقود طلائع القوات العربية الثورية لتحرير سوريا كل سوريا( من طوروس شمالاً وحتى العقبة المرشرش جنوباً )، وما ان وصل الأردن حتى اصطدم بعدد من الحقائق والوقائع أهمها ان القوة العربية اللازمة لهذه المهمة غير كافية ولاتفي بالغرض المطلوب، وان المنطقة الواجب تحريرها أصبحت فعلياً تحت سيطرة الدولتين العظميين آنذاك بريطانيا وفرنسا اللتان استولتا من اتفاقية ( سايكس – بيكو )عام 1916 م على تركة الرجل المريض.

 

هنا وجد الأمير عبدالله ومعه الشعب في شرقي الأردن أمام خيار صعب، ولكن لابد من الاستقرار وبكل ما أوتي من قوة وعزم من التشبث بهذا الجزء من سوريا الكبرى بعد استحالة مجابهة الواقع المرير، ويحاول هو وطلائعة أثناء وجودهم ( في هذا الجزء ) ان يحققوا بالتعاون مع عامل الزمن مالم يستطيعوا تحقيقة إزاء المعطيات الموضوعية السالفة الذكر، فهو لم يواصل مسيرته نحو دمشق كما كان يريد، ومن ثم استعانته بالقوة المهيمنة بالمنطقة آنذاك ( القوات الإنجليزية ) من اجل توطيد أركان حكمه الوليد حيث توفر المال والسلاح، وهذان العاملان متوفران في بريطانيا العظمى، وحتى يتم له ذلك فكان لابد من توقيع المعاهدة الأردنية – البريطانية عام 1928 م لتعطي المعتمد البريطاني سلطة الإشراف على مختلف النشاطات الحيوية للدولة. وكان مدركاً ( رحمه الله ) لتنامي القوة اليهودية من خلال تسارع وتيرة الهجرة اليهودية الى فلسطين بعد تولي النازيين الحكم في ألمانيا في الثلاثينات من هذا القرن، فكان همه كبح جماح تنامي هذه القوة الدخيلة على أرض فلسطين. كانت بريطانيا تدرك تمام الإدراك ان الأمير عبدالله يهادنها وكانت ترى فيه قائداً خطيراً في طموحه وفي دهائه، فعمدت دائماً على تقييده خوفاً من ان يفسد عليها استراتيجيتها. والأمير عبدالله قام بتأسيس نواة الجيش العربي الذي يعتبر بحق أهم العوامل في تأسيس الوطن الأردني الذي سمح بنمو المؤسسات الوطنية الأخرى، فجاءت نواة الجيش العربي من أفراد متنوعين في أصولهم ومنابتهم، إذ كان منهم الأردني والسوري والفلسطيني والحجازي والعراقي والنجدي… الخ. وهذا كان يعكس حقيقة الثورة العربية الكبرى وليس من باب الصدفة ان يحمل ولا يزال اسم ( الجيش العربي ) فهذا الاسم لا يعكس فقط طبيعة الرسالة التي أنشئ من أجلها بل يمثل أيضاً طبيعة النواة التي تكّون منها. فقامت هذه القوة ( الجيش العربي ) بإقرار الأمن وحماية عمل المؤسسات الناشئة التي بدأت تعطي أوكلها للوطن الأردني الجديد (طابع الدولة) وقد نجح ولا يزال بكل تجاربه واختبر الجيش العربي في العراق ( ثورة رشيد عال الكيلاني ) وفي سوريا ( حكومة فيشي ) و ( حرب تشرين 1973م) وفي فلسطين الأعوام (1948 و 1967 ) ميلادية وفيما بعد معركة الكرامة الخالدة 1968 م، وفي الكويت وعُمان واليمن وأخيرا مشاركته الفذة في قوات حفظ السلام والطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة في كل أصقاع الأرض. ولعبت فلسطين وقضيتها دوراً هاماً في تطور بنيان الوطن الأردني ويصعب ان نؤرخ للأردن بمنأى عن فلسطين والعكس صحيح، وتمثل بداية استثناء شرق الأردن من وعد بلفور كما ذكرنا سابقاً، واعتراف بريطانيا رسمياً باستقلال شرقي الأردن من هذا الوعد المشؤوم. حيث قام الأمير عبدالله (رحمه الله) بدعم وتوجيه الفلسطينيين وقيام الشعب الأردني بالدعم المادي والبشري المباشر للثورة الفلسطينية عام 1936م بالغم من الهيمنة البريطانية على الأردن. وقام الملك المؤسس عبدالله (رحمه الله) بإنقاذ جزء غال على قلب كل عربي وأردني من خلال ( الجيش العربي) وبصماته في اللطرون وباب الواد في إطار الجامعة العربية ودخولة حرب فلسطين عام 1948م وإنقاذ الأقصى والقيامة وقبة الصخرة والجثمانية وكل ما يعرف باصطلاح الضفة الغربية من براثن الاحتلال، وكان الرد مباشراً من زعامات فلسطين في بناء أول تجربة وحدوية في الكيان العربي عام 1950م، وكانت بحق ترجمة عملية لمبادئ وفلسفة الثورة العربية الكبرى التي انطلقت عام 1916م، وبعدها جاءت مرحلة الابتعاد القصري المترتب على عدوان الخامس من حزيران عام 1967م، مرورا ًبمؤتمر الرباط عام 1974م، وما أفرزه من نتائج الى فك الارتباط الإداري والقانوني عام1988م، ووصولاً الى مدريد في شبه القارة الأيبيرية، ومن ثم الى أوسلو في شبه القارة الاسكندنافية، الى وادي عربه( مابين بحيرة لوط / البحر الميت و المرشرش / العقبة )، الى شرم الشيخ في شبه جزيرة سيناء.. ومابين هذا وذاك عادت ( م.ت.ف) الى الداخل الفلسطيني ( غزة وأريحا ) أولاً ومشاريع إعادة الانتشار في الضفة والقطاع ثانياً.. الى الأوضاع التي لازالت قائمة حتى الآن، لذلك فنحن قريبون من فلسطين التوأم ومن جهوده المبذولة لحل المسألة برمتها، وإزاء ذلك نعمل على دعم أشقائنا بكل جهد مستطاع وفي كافة المحافل آملين ان نكلل جهودهم بالنجاح وتحقيق الاستقلال التام ليصار الى حديث آخر. لذلك فأن نشأة الأردن هي نشأة وطن حقيقي، حيث أن اكتمال الوليد ووقوفه على قدميه لم يعفه من صعوبة النشأة. وهاهو بعد ما يقارب من التسعين عاماً… يشكل دولة سياسية تتمتع بالاحترام وتتطلع الى الاستمرار في ولوج الألفية الثالثة بثقة واطمئنان كبيرين بالاضافة الى القيادة المتزنة الحكيمة والشعب المتوثب المنفتح والذي أرسى قواعدها ( الملك الخالد جلالة المغفور له الحسين بن طلال ) طيب الله ثراه وارث الدستور الأردني المتقدم على غيره من الدساتير وصانع أمجاد التعريب وبطل إلغاء المعاهدات وعميد الكرامة العربية ومنظر ومنفذ أدبيات الديمقراطية الأردنية. إذن ( فالمملكة الأردنية الهاشمية ) هي وطن حقيقي قائم بإذن الله تعالى ( رغم أنوف كل المشككين ) ولا أدل على ذلك من كيفية انتقال ولاية العرش حكماً دستورياً الى أمل الأمة العربية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أعز الله ملكه وذلك سنداً وإنفاذاً لنص الفقرة ( أ ) من المادة ( 28 ) من الدستور الأردني، واستمرت المسيرة باستمرارية نظام الحكم الراسخ والمصداقية العربية والعالمية التي يتمتع بها، وتطور مؤسسات الوطن العملاقة عبر السنين جيشاً عربياً وأمناً وتربية وصولاً الى كافة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وما يتمتع به هذا الوطن من نهج الاعتدال والعقلانية والنزعة التطويرية التي تميز فلسفة الحكم والمؤسسات والأحزاب والنقابات.. الخ، والاستقرار الذي ينعم به بالابتعاد عن التمحور والاستقطاب الى العلاقات المميزة التي رسختها أخيراً قيادة عبدالله الثاني الفذة وطورتها مع القوى ذات التأثير والتجمعات والمنظمات الدولية والإقليمية من اجل البقاء والتقدم والمشاركة في الجهود الدولية والمحافل العالمية. إذن فالأردن وطن حقيقي وهو أكبر من كل ما يحاك أو يخطط له، وهو ليس مزرعة أو إقطاعية أو مساحة جغرافية محددة.. فزيارات جلالة سيد البلاد رعاه الله ( لمختلف البقاع الأردنية ) هي لكل الوطن بجناحيه ورئتيه فكل هذا وطن عبدالله الثاني وقاطنوه هم شعب عبدالله الثاني.. وهؤلاء ( القاطنــــــــــــــــــــــون ) ومنهم ( أخوة يوسف ) أو ( إخوان الصفا ) قد داسوا على كافة الأحقاد والآلام السابقة والتي حصلت في غفلة من ( الزمان والمكان ) عندما لبست بعض الأحزاب والقوى السياسية الأردنية وغيرها ( قميص عثـــــــــمان ) وركبت موجة الكفاح المسلح على حساب الوطن العزيز الغالي. وهذا لم ولن يسمح بتكراره ولن تعاد صياغته لانشراً ولا نسخا ولا قياساً. فعمّان عبدالله الثاني لن تكون (هانوي ) لقوات ( الفيات كنج ) ولن تسمح ( لتشي جيفارا) أو ( أيّ كان ) ان يعبرها، وإنما (عمّــــــــــــان) هي للأردن وفلسطين وللعرب الشرفاء جميعاً، وجدت هكذا لتبقى. ومن هذا المنبر نقول لكل الذين أنهكهم سماع الكلام الكثير هذا الشهر ( قبله وبعده ) الأردن هو ناموس طبيعي أزلي هو الأب والأم، هو المال والعيال، هو وطن حقيقي موجود، دوره وشعبه ومليكه أكبر بكثير من مساحتة الجغرافيا والتاريخ، وأخيراً دعوني أبوح بكلمة سر وجوده هي ( قيادته الهاشمية الملهمة ).0 عاش الأردن عزيزاً منيعاً… عاش الملك العظيم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s