قراءة صريحة في سطور محاضرة جريئة

عريب رنتاوي

المتأمل في سطور و»ما بين سطور» محاضرة رئيس الوزراء معروف البخيت في نادي الملك حسين، يخرج بانطباعين اثنين، غير مريحين: الأول، أن الدبلوماسية الأردنية تتصرف كما لو أنها تسعى في تدارك ما يمكن تداركه من تطورات على المسار الفلسطيني في بعديه الداخلي «المصالحة» والخارجي «استحقاق أيلول»…والثاني، وهو مؤسس على الأول ومقتضاه، أن هذه الدبلوماسية تشعر بالضيق والقلق و»سقوط الرهانات»، كما أنها تخشى قادمات الأيام بمجاهيلها ومغاليقها، فكيف ذلك ؟!

ليس الأردن بجاهل ٍلما يجري على مختلف المسارات الفلسطينية، فلديه من قنوات المعرفة والاتصال، الإقليمية والدولية، ما يمكّنه من معرفة الدقائق والتفاصيل، خصوصاً من الجانب الفلسطيني الرسمي، حيث يحرص الرئيس عباس على إطلاع القيادة الأردنية على كل شاردة وواردة…والرئيس عباس يقضي في عمان أوقاتاً لا تقل عن تلك التي يقضيها في رام الله…وهناك تنسيق دائم بالطبع، لكن التنسيق شيء و»أخذ الموافقة» شيء آخر…الرئيس أبلغني في لقاء قبل عدة أسابيع، بأن الأردن، والعلاقة بقيادته، خط أحمر، لن يسمح باختراقه أو المساس به، ولقد خرجت من اللقاء بما يشبه القناعة بأن «قنوات الاتصال والتنسيق» مفتوحة وفي الاتجاهين معاً…مصدر ضيق الدبلوماسية الأردنية في هذا المجال تحديداً، يكمن في تواضع دورها، فلا هي مؤثرة في مسار المصالحة الداخلية، ولا هي مقررة بخصوص استحقاق أيلول القادم، ودعونا نتحدث بصراحة هنا، بعيداً عن الخطاب الإنشائي المكرر.

إن كان هناك من ينبغي توجيه اللوم له على ما يمكن وصفه بـ»التهميش» الذي تعرضت له الدبلوماسية والدور الأردنيان في هذا المجال…فهو هذه الدبلوماسية بالذات…لقد بُحّ صوتنا ونحن نطالب بدور أردني في «الوساطة الفلسطينية»…لقد كللنا ومللنا من المطالبة بمواقف أكثر توازناً واتزاناً من الانقسام الفلسطيني…لقد دعونا وتوسطنا من أجل فتح القنوات وإجراء الاتصالات…لقد رفضنا الخضوع لنظرية «الوكالة الحصرية لمصر في ملف المصالحة»…لم تكن هناك استجابة من أي نوع…لقد اطلقت الدبلوماسية الأردنية النار على أقدامها منذ حكاية «خلية حماس»، …إلى أن جاء اليوم الذي يتعين علينا فيه الاكتفاء على ما يبدو، بتلقي «رقاع الدعوة» لحضور حفل القاهرة،والرد من قبيل «الحرد» بتمثيل دبلوماسي متواضع في الحفل المذكور ؟!.

لقد رأينا محاولة ربع الساعة الأخير، لتدارك ما يمكن تداركه، ولكن بعد فوات الأوان..رأينا قناة اتصال (أمنية مرة أخرى) يُعاد فتحها مع حماس، رأينا وفوداً من الضفة والقدس تؤمً عمان…رأينا تسريبات عن «وساطة أردنية» بين فتح وحماس، تبددت في مهدها…رأينا حديث رئيس الحكومة الذي بدت لهجته أقرب للإنذار…من دون أن تكون له مقدمات، تنبئ بالنتائج المتوخاة منه…كل ذلك لم يُجدِ نفعاً…المطلوب شيء آخر على ما يبدو.

أما في ملف أيلول واستحقاقاته القادمة، فإن هذه الدبلوماسية هي الملومة أيضاً عمّا ينتظرنا…لقد بنينا سياسة خارجية كاملة على «وهم السلام» و»جدوى خيار التفاوض»…حتى ونحن نحذر من ضيق الفرص وقرب إغلاق نافذتها، كنا ندعو لفرص جديدة ونوافذ جديدة ومهل جديدة…كلما انتهت مهلة، مدّدنا لها بمُهَلٍ جديدة، إلى أن أزفت لحظة الحقيقة والاستحقاق في أيلول…أذكر أن أي تحفظ كان يَرد على لساننا أمام كبار المسؤولين عن السياسة الخارجية، خصوصا عند مجيء أوباما للبيت الأبيض، كان يقابل بعاصفة من النقد والاستهجان والاستخفاف…هل تذكرون «رزنامة الأيام الأولى لأوباما» التي حفظناها عن ظهر قلب لفرط ما كررها على مسامعنا وزير خارجيتنا في محاولة يائسة للبرهنة على جدية واشنطن وجدوى الرهان عليها لاستيلاد الحل المرتجى ؟؟؟….عودوا إلى تصريحات تلك الحقبة، وأنتم تعرفون السبب في حالة الخيبة والقلق والإحساس بالخذلان التي نعيشها اليوم، والتي عبّر عنها خطاب رئيس الحكومة بشكل صريح تارة ومضمر تارة أخرى.

منذ أكثر من عام، ونحن نكتب عن «الحل المتواطئ» عليه، بديلا عن الحل المتفق عليه…واستحقاق أيلول هو الترجمة لما كنا نقول…فأين المفاجأة إذن فيما يجري أمام ناظرينا…إن كانت الحكومة تفاجأت فتلك مصيبة، وأن لم تكن متفاجئة وظلت واقفة بلا حراك لدرء أسوأ السيناريوهات، فالمصيبة أعظم.

نُطمئن رئيس الوزراء : لن تكون هناك حلول توافقية…ولن يجد أحدٌ نفسه مضطراً رسمياً على الأقل، لتقديم تنازلات عن القدس أو اللاجئين أو حتى عن أي ملف آخر…لن تكون المصالحة مدعاة للقلق في هذا المجال، بل سبباً لمزيدٍ من الطمأنينة والصمود في وجه الضغوط…سنكون أمام حل «أمر واقع»، دولة تعلن من هنا ويعترف بها صبيحة اليوم التالي، وخطوات إسرائيلية أحادية تتبعها…ودعوات دولية تليها لضبط النفس والعودة للتفاوض…ليُطل علينا ما سميناه «سيناريو كشمير» – أتذكرون – برأسه البشع، على أمل الدخول في مفاوضات لاحقة مع إسرائيل لستين سنة قادمة.

أما عن حكاية «حق العودة»، فإنني ومن موقع التأييد لتصعيد الموقف الأردني في هذا المجال، بل ومن موقع المطالبة برفد الموقف الرسمي «الضاغط» لإحقاق هذه الحق، بموقف شعبي يقظ ونشط، حتى وإن اقتضى الأمر، تنظيم مسيرات مليونية لدعم موقف الحكومة…أقول من هذا الموقع، أعترف بأن «النبرة» التي تحدث فيها رئيس الحكومة عن هذا الملف فاجأتني، لكأننا لم نكن نعرف تمام المعرفة، بأن أي حل تفاوضي في سياق مدريد – أوسلو – وادي عربة، ما كان ليضمن حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم، مع أن أفضل صيغ طرحت في هذا السياق، هي ورقة كلينتون ومعاييرها المعروفة لحل مشكلة اللاجئين…أين المفاجأة في الأمر…لم التحذير من «تنازل جديد»، فهذا التنازل قديم، بل وقديم جداً…هل تذكرون المبادرة العربية والبند المتصل بـ»الحل المتفق عليه» والذي ألحق بها في آخر لحظة وبضغط من بشار الأسد وإميل لحود في بيروت…هل تذكرون تصريحات وزير خارجيتنا الأسبق – عشية قمة تونس – عن «ترشيق المبادرة» و»اختصارها،وتخفيفها مما علق بها، والمقصود بالطبع بند اللاجئين…هذه هي حقائق الموقف والسياسة، فلماذا التظاهر بأننا أخذنا على حين غرة،أو أخذ عزيز مقتدر..لماذا نتظاهر بأن «بعضهم «يريد أن يلتف علينا ويأتينا من الخلف،ويطعن بحقوقنا ومصالحنا..؟ دعونا نتحدث بقليل من المصارحة والمكاشفة، فالوقت من دم وحقوق واستحقاقات ؟!

أفهم أن يقال إن تلك المقاربة كانت خاطئة، لم تخدم مصالح الأردن، لم تجلب نفعاً ولم تدرأ ضُرا…أفهم أن نعيد النظر بسياستنا الخارجية أو في بعض مفاصلها…الرئيس نفسه تحدث عن عمليات تقيم وإعادة تموضع قد تنتهي إليها السياسة الخارجية المصرية، فلماذا لا يكون الأمر مطلوباً عندنا كذلك ؟.

لكنني لا أفهم هذا التصعيد في الموقف من «قضية اللاجئين» و»حقهم في العودة والتعويض»، إن كنا سنواصل السير على ذات الطريق…هذا موقف جيد ويستحق الدعم، بيد أنه بحاجة لتجذير وتدعيم، رسمي وشعبي…لا فائدة من إطلاق العنان للمخاوف و»مشاريع الاتهامات» السابقة لأوانها…هذا يمكن أن يصدر عن «محلل سياسي» أو أمين عام حزب معارض، بيد أنه من غير الجائز أن يصدر عن رئيس الحكومة….لا فائدة من الاصطراع على جلد الدب قبل اصطياده، فمن قال مثلاً، إن قضية اللاجئين مطروحة على مائدة البحث، وإن المشكلة تكمن فيمن يمثلهم: منظمة التحرير أم الحكومة الأردنية…ثم ألم يمطرنا مسؤولون أردنيون كبار، وهم في موقع المسؤولية، بوابل من التصريحات المؤكدة أن الأردن لن يجلس على مائدة المفاوضات، وأنه سيكتفي بالمتابعة اللصيقة حفظاً لمصالحه وحفاظاً على حقوق مواطنيه…ما الذي تغير…هل نريد أن نحجز مقعداً على مائدة المفاوضات…هل هناك مائدة من هذا النوع…وباسم من سنتحدث؟…اللاجئون الأردنيون أم اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في الأردن…أكثر من مليون فلسطيني بلا رقم وهوية أردنية، من ينطق باسمهم، على فرض القبول بأن الحكومة الأردنية وليس منظمة التحرير هي من ستتحدث باسم اللاجئين…وأين سيكون تركيزنا الأول في المفاوضات: استراداد حقوق اللاجئين الأفرد أم «أتعاب» الدولة المضيفة…ما حجم الرهان على ملف «التعويضات» للخروج من عنق زجاجة الدين والعجز والأزمة الاقتصادية والمالية…هل التصعيد في قضية «حق العودة» مقدمة لتسريع فتح ملف «التعويضات»…وهل إرجاء البحث في قضية اللاجئين هو السبب الكامن وراء هذه الضيق والانفعال…وأخيراً وليس آخراً…هل نحن أمام محاولة لتأسيس خطاب جديد في السياسة الخارجية، أم أننا امام «مناورة» للهروب من استحقاقات السياسة الداخلية، وتحديداً في ميدان الإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي ؟!

أسئلة وتساؤلات نأمل أن تجد طريقها إلى مسامع الحكومة ورئيسها وصناع القرار.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s