كلمة بلال التل في ندوة الشهيد وصفي التل


وصفي التل – 4 – شهادات رجال فلسطين وزعمائها إنصاف لوصفي ودفاعه عن فلسطين

فلسطين كانت روح وصفي وجسده وضميره وكل حياته
خطة وصفي كانت كابوسا لـ «بن غوريون» انقذته منه خطة جامعة الدول العربية

∎ بقلم: محمود سعد عبيدات

برز في تاريخ الأردن الوطني عدد من القادة الذين حفظ الشعب العربي أسماءهم وحمل لهم أعمق الحب والاحترام والتقدير. ومن أولئك القادة الشهيد وصفي التل حيث تعطينا سيرته واحدة من تلك الصور النموذجية عن رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه وهي صفحات عزيزة في تاريخنا الأردني ما زالت في ذاكرة الشرفاء العرب. وسيرته منذ الطفولة حتى الشهادة تجعل منه رجلاً تاريخي الأبعاد. بل إنه تاريخ خاص وكامل لمن يرغب في التعلم.. ففي مرحلة شبابه كان تجسيداً لمعاني الالتزام الوطني والقومي. وفي مرحلة نشاطه السياسي كان ترجمة عملية لمعاني القائد الطموح المجتهد وصاحب المهمات الصعبة.. لا يرتعد ولا يجبن، يرى الرؤيا ببصيرة المؤمن بقدر أمته ووطنه. لا يعظ بل يفعل. وقف في وجه الشيطان فقهره.. لا يطمع ولم يطمع بزعامة أو شهرة بل جاءته الزعامة والشهرة لأنه كان الفعل والفاعل في الأحداث بكل اشكالها وأنواعها..
الشهيد وصفي التل واحد من الطراز النادر الذي ورث عن جده المؤسس ظاهر العمر الزيداني المعاني القومية السامية. فكان مثل والده المناضل المرحوم مصطفى وهبي التل شامخاً بعزة الوطن يرنو لمستقبل هذه الأمة ويتطلع إلى صياغة تاريخها الحضاري المنشود.
إن استحضار تجربته الطويلة التي عاشها باجتهاداته ومواقفه وثوابته كشفت ما نحتاجه اليوم للصعود نحو الغد حيث تستطيع النماذج أن تفجر صحة الوعي وتعيد الاعتبار من خلال ممارسة القيم.. كانت هويته واضحة مثلها هو ولاؤه وانتماؤه. وكانت بوصلته تتجه دائماً نحو الوطن حيث ينصهر مشروعه في مشروع الأمة الواحدة. وكانت فلسطين في مركز وعيه ولم ينظر إليها يوماً خارج عمقها العربي والاسلامي. لقد (قتلوه) لأنه كان صاحب المشروع التحرري لكن الموت لا يغيب الشرفاء وستبقى روحه الطاهرة تفيض معاني الالتزام بالمواقف وتذكر العرب الشرفاء بانهم (خير أمة أخرجت للناس).

شهادات متأخرة
كان عتب وصفي على أصدقائه الذين لاموه على تطوعه في الجيش البريطاني لأنهم يعرفون جيداً من هو وصفي التل، ومن هو والده يقول: (يعرفون انني التحقت بالجيش البريطاني لأجل القتال في فلسطين ويعرفون من تقدم بشجاعة وتضحية ومن تخلف بجبن وأنانية.. وأقول بأنني قمت بعمل مشرّف لأن التدريب الذي نلته مكنني من المساهمة بشرف القتال في شمال فلسطين، والعدو قبل الصديق يشهد أنني قاتلت في شمال فلسطين بشجاعة وكفاءة رغم الظروف الصلبة والإمكانيات المحدودة بينما بقي الأدعياء الجبناء في شوارع بيروت أو حانات دمشق).
خلال الحرب عام 1948م وعندما فرض القتال على الجميع اكتشف البعض أن القتال العشوائي بلا تدريب على السلاح ينعكس سلباً على المتطوعين الإرتجاليين. يقول معالي الأستاذ أنور الخطيب في حديث لجريدة (الرأي الأردنية) عام 1990م ما يلي:
(كان وصفي التل يعني ما يقول وكان يحب القدس حباً عظيماً. كان يتحلى بشجاعة شخصية كبيرة.. ودخوله في الجيش البريطاني كان عملاً عظيماً ويا ليت انني دخلت مثله في الجيش البريطاني وتدربت على استعمال السلاح. لماذا تطوع آلاف اليهود في الجيش البريطاني وكيف فقد موشيه دايان عينه؟ أليس للحصول على التدريب العسكري استعداداً للمعركة المقبلة!! في عام 1948م عجزت أنا وعدد من شبان القدس عن استعمال مدفع (مورتر) كان لدينا لاننا لم نتدرب على استعمال السلاح مثل المرحوم وصفي التل الذي كان رجلاً وطنياً مجاهداً من أجل فلسطين).
كان السيد برهان الدجاني من بين الشخصيات الصديقة للمرحوم وصفي ومن بين الذين عتب عليهم، يقول الدجاني في شهادته المتأخرة: (ذات يوم زارني وصفي التل وحلّ ضيفاً عندي، وقال إنه ترك عمله في الأردن. كان ناقماً على توفيق أبو الهدى وأنه يفكر بالتطوع في الجيش البريطاني، لم أشجعه على ذلك ولكنه ذهب إلى مكتب التطوع في يافا وكان المسؤول هناك رشيد عبد الفتاح (ضابط سابق في قوة الحدود) وهو من (طولكرم) فيما بعد عرفت انه تطوع للخدمة فعلاً بعد أن تطوع وصفي جاءتني رسالة غاضبة من الدكتور منيف الرزاز يحمل فيها على وصفي لأنه تطوع في الجيش البريطاني، أجبته برسالة طلبت منه فيها أن لا يتسرع في إصدار الأحكام لأن وصفي من الرجال الذين يوظفون أعمالهم لمصلحة الأمة والقضية القومية.. ). لذلك قال الدكتور منيف الرزاز في أوراقه عن القضية الفلسطينية: (اعتقد أن برهان الدجاني ورفاقه في حركة القوميين العرب كانوا راضين عن التحاق وصفي بالجيش البريطاني بدليل أنهم أشركوه في العمل في المكتب العربي مباشرة بعد خروجه من الجيش).
وكان الدكتور منيف من الذين عتب عليهم وصفي التل لأنه لامه على تطوعه في الجيش البريطاني ولكن الدكتور الرزاز تراجع عن لومه واقتنع فيما بعد بالخطوة الجريئة التي اقدم عليها فقال: ( كان وصفي التل يعتقد أن الصدام المسلح بين العرب والعصابات الصهيونية لا بد من وقوعه ومن واجب كل عربي أن يتدرب على السلاح وعلى حمل السلاح كي يشارك في المعركة ضد العدو. كان وصفي جريئاً وشجاعاً في معارك فلسطين لأنه تدرب على السلاح وعلى فنون القتال وتميز عن الآخرين الذين قاتلوا بلا خبرة عسكرية.. ).
أما الشهادة التي جاءت من غير الأهل والأصدقاء فقد أوردها الكاتب (آشر سسر) في كتابه (الخط الأخضر بين الأردن وفلسطين..) فقال: ( لا يمكننا إنكار الاعتقاد أن وصفي التل بانضوائه في صفوف الجيش البريطاني كانت تحكمه دوافع مشابهة لتلك التي دفعت اليهود لفعل ذلك أي اكتساب كفاءة عسكرية تمهيداً لخوض الصراع المرتقب على مصير فلسطين..).
وصفي والمكتب العربي
إذا كانت القضية الفلسطينية هي الحكم في امتحان الرجولة والرجال والمواقف، فإن وصفي كان الحكم، ففلسطين الأرض والشعب والقضية ما عرفت رجلاً تجسدت في عقله وضميره وروحه مثل ما تجسدت في عقل وضمير وروح وصفي بل كانت عنده الروح والجسد والرئة التي تنفس منها طيلة حياته.
ويرى وصفي بأن فلسطين كانت في مركز وعيه ولم ينظر إليها يوماً خارج عمقها العربي والاسلامي، فكان انشغاله بها منذ وعد بلفور كقضية مقدسة ينطلق من وحي هويته الوطنية الأردنية في بعدها القومي فهو الشاهد على مشروع التحرير بل كان واحداً من لجنة صياغة هذا المشروع الذي كان يمثل الخطاب القومي العربي في مشروع نهضتنا وتحرير بلادنا المقدسة من الاحتلالات الأجنبية والاطماع الصهيونية لذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فكّ وصفي ارتباطه العسكري مع الجيش البريطاني عام 1946م وانضم إلى المكتب العربي في القدس وهو واحد من المكاتب العربية الإعلامية انشئت بناء على توصية من السيد موسى العلمي في المؤتمر التحضيري للجامعة العربية الذي عقد في مدينة الاسكندرية عام 1944م حيث كان موسى العلمي ممثلاً لشعب فلسطين، وفي المؤتمر التاسيسي للجامعة العربية في اذار 1945م اتخذ قراراً بانشاء (المكاتب العربية) في القدس ولندن وواشنطن بهدف التأثير على الرأي العام في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لتاييد قضية العرب في فلسطين، وكان موسى العلمي يدير هذه المكاتب يعاونه موظفون من الدول العربية.
وعن التحاق وصفي بالمكتب العربي يقول السيد برهان الدجاني: ( بعد تسريحه من الجيش البريطاني جاءني وصفي التل إلى يافا فحدثت موسى العلمي بشأنه قائلاً انه يستطيع الإفادة من خبرته العسكرية. كانت توصيتي لموسى العلمي تحمل الدليل على أن خدمته في الجيش البريطاني لم تترك أثراً سلبياً في نفسي ولم يلبث العلمي أن عيّنه في المكتب العربي).
استفاد وصفي من خبرته العسكرية فأخذ يجتهد ويخطط ويرسم المعالم العلمية للمكاتب العربية وبخاصة العسكرية منها. فقدم مذكرة لموسى العلمي حول البدء بانشاء قوة عسكرية فلسطينية تتألف من وحدات صغيرة مقاتلة تستطيع أن تعمل في المدن والقرى وتكون مهمتها مقاومة العصابات اليهودية. أخذ موسى العلمي مذكرة وصفي التل إلى العراق لبحثها مع المسؤولين هناك، ولم تتخذ إجراءات عملية بشأنها وكانت العراق الدولة العربية الداعمة مالياً للمكتب العربي وفروعه.
لم يكن للمكتب العربي فاعلية تذكر على الساحة العربية وحتى على الساحة الفلسطينية، ويعترف برهان الدجاني بأنه (لم يكن عند مستوى الافكار التي طرحها واجتهدها وصفي التل للعمل من أجل القضية الفلسطينية). ويعترف دولة المرحوم قاسم الريماوي بأن الخلافات ما بين الزعامات الفلسطينية التقليدية هي التي (كانت السبب في إفشال المشاريع ومن بينها مشروع وصفي التل الذي كان يقضي بإنشاء وحدات عسكرية مقاتلة شبيهة بالوحدات اليهودية).
عمل وصفي جاهداً من أجل أن تكون المكاتب العربية التي عمل فيها (القدس، لبنان) منبراً حراً للقضية الفلسطينية إلا أن مجمل الظروف العربية بما فيها الظروف الفلسطينية كانت العقبة والسد المنيع أمام الطموحات الكبيرة والمشروعة.
ترك العمل في المكتب العربي وانضم إلى جيش الإنقاذ في العام 1947م وشارك في الحرب العربية – الصهيونية (1947 – 1949م) وكان من أبطالها..
مع جيش الإنقاذ
عندما اقرت هيئة الأمم المتحدة تقسيم فلسطين في سنة 1947م وبدأت بوادر الصراع المسلح مع العدو الصهيوني على أرض فلسطين استقال وصفي التل من عمله في المكتب العربي في (لندن) استجابة لواجبه القومي، ولما نذر نفسه وأعدها له فغادر العاصمة البريطانية لندن إلى دمشق والتحق بجيش الإنقاذ الذي أسسته جامعة الدول العربية بهدف المشاركة في انقاذ فلسطين من براثن العدو الصهيوني وكانت قيادة هذا الجيش مناطة بضابط عراقي كبير معروف هو الفريق (إسماعيل صفوت) يساعده في ذلك وكمفتش عام ضابط عراقي كبير ومشهور أيضا هو الفريق (طه الهاشمي). وقد اسندت إلى وصفي التل في هذا الجيش وظيفة (ركن العمليات الحربية).
كانت فلسفة وصفي التل تختلف تماماً عن الفلسفات الجهادية التي وضعت من قبل المؤسسات الرسمية وحتى من قبل اللجنة العسكرية العليا وقد انتقد بشدة موقف اللجنة العسكرية التي تبنت (انشاء حاميات محلية) واعتبر موافقتها على تبني أفكار أصحاب هذا المشروع لإرضاء التكتلات السياسية المحلية في فلسطين ونتيجة لهذه التحويرات يقول وصفي: (بذرت الجامعة العربية عناصر هزيمة العرب في القتال في فلسطين وأصبح المقاتلون العرب في فلسطين ينقسمون إلى فئتين:
فئة تتلقى اوامرها من الهيئة العربية العليا وفئة تتولى اوامرها من قيادة جيش الإنقاذ. هذا بالإضافة إلى فئات أخرى كثيرة ادعت لنفسها السلطة ولم يكن بين هذه الفئات أي تعاون أصولي عسكري وفي أغلب الأحيان كان بينها تنافر وعداء أضاع على العرب فرصاً كثيرة).
ويوثق الباحث اليهودي (أفي شليم) الأستاذ في جامعة (كمبردج) وفي الصفحة (199) من كتابه (تواطؤ عبر الأردن) دور المجاهد وصفي التل في موقعه كضابط للعمليات الحربية ويقول: (قدم وصفي التل الذي يتصف بالنظرة الثاقبة والإصرار العنيد إلى اللجنة العسكرية بجامعة الدول العربية خطة مفصلة لتحرير فلسطين أطلق عليها اسم (خطة دمشق) وعناصر هذه الخطة كما يصفها (أفي شليم) بأن (يخترق الجيش السوري والجيش اللبناني وجيش الإنقاذ وبطليعة مدرعة عراقية فلسطين من الشمال ويحتل ميناء حيفا وفي نفس الوقت يخترق الجيش المصري فلسطين من الجنوب وعلى طول الساحل ويسيطر على يافا) وبهذين الاختراقين وكما يذكر الباحث اليهودي (شليم) (يحقق وصفي التل في خطته حرمان الدولة الجديدة من الموانئ التي تحتاجها لجلب المقاتلين والاسلحة. ويصاحب الاختراقين آنفي الذكر تقدم الجيش الأردني والجيش العراقي من الشرق وتخترق الساحل الفلسطيني ليصل البحر وبذلك تقطع هذه الدولة إلى نصفين). ويقول (أفي شليم): إن الزمن الذي قدره وصفي التل لتنفيذ هذه الخطة كان أحد عشر يوماً ويصف قائلاً : ( إن المراقبين المطلعين يعتقدون أن كل الفرص كانت متوفرة لنجاح خطة وصفي التل لو طبقت ولهذا كانت هذه الخطة تشكل كابوساً للزعيم الإسرائيلي (بن غوريون) وقد زال هذا الكابوس عندما استبدلت جامعة الدول العربية هذه الخطة بخطة أخرى).
لقد وضع وصفي التل جميع الترتيبات للمقاتلين وبيّن مهمات (مفتشية التطوع) ومهمات (الإدارة) ومهمات (التموين) ومهمات (الاستخبارات) ومهمات ( المواصلات) ولكن جميع هذه الترتيبات راحت عبثاً وبدون فائدة، ويبين وصفي أسباب عدم الالتزام بتنفيذها بالامور التالية:
أولاً: لم يكن هناك انسجام من حيث العمل بين (المفتشية) والقيادة بسبب أن الطرفين مختلفان بفهمهما للقتال ونوع الحركات في فلسطين.
ثانياً: من الصعب على معظم قادة القطاعات والحاميات تنفيذ أوامر وتعليمات القيادة إما بسبب عدم إدراكهم لأهميتها أو بسبب جهلهم أو بسبب ارتباطاتهم الحزبية التي تمنعهم من الانصياع لأوامر القيادة.
ثالثاً: كان هناك فقر في الضباط وعلى الأخص بالضباط الخبراء بالنواحي العسكرية والفنية في التدريب والإدارة.
رابعاً: لم تحدد تماماً صلاحيات وسلطات مختلف الجهات والضباط، مثال على ذلك: كان فوزي القاوقجي يعتبر نفسه قائد الميدان بأجمعه بينما اعتبرته القيادة قائد منطقة لا غير، هذا بالإضافة إلى المشاكسات المحلية على المناطق والنفوذ وخلافها.
خامساً: عدم تفرغ القائد العام إسماعيل صفوت للقيادة، وقد اضطر بسبب الفوضى والمنازعات إلى قبول التدخل في مختلف المشاكل والتعقيدات السياسية في الجامعة العربية، واللجنة العسكرية، والهيئة العليا، وأصبح مثل مندوبي الجامعة العربية لا يفتأ يطير من عاصمة إلى عاصمة أخرى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s