لأردنيون يستعيدون وصفي التل من مختطفيه الإقليميين في ذكراه الأربعين


بلال التل: وصفي كان العدو الأول للإقليمية النتنة
الأردنيون يستعيدون وصفي التل في ذكراه الأربعين من مختطفيه الإقليميين
ـ ضباط سوريون مرتبطون بوصفي اختطفوا منيف الرزاز من سجنه السوري وأعادوه لعمان عبر بيروت
ـ خطط لاستعادة العرش الهاشمي في العراق وسوريا وحارب ضد الجمهورية في اليمن
ـ صارع عبد الناصر واندفع في تأييده لحلف بغداد أملا في تقوية الجيش الأردني تسليحيا
ـ تحول بعد تشكيل حكومته الأولى من العمل على تحرير فلسطين إلى العمل على حماية الأردن

عمان ـ شاكر الجوهري:
أجابت الندوة التي عقدها المركز الأردني للدراسات والمعلومات في الذكرى الأربعين لإستشهاد وصفي التل عن سؤال هام، وأثارت اسئلة هامة أخرى.

فقد توافق المحاضرون على أن المرحوم وصفي التل لم يكن اقليمياً، وعلى إنه كان من دعاة الوحدة الوطنية بين الأردنيين والأردنيين من أصل فلسطيني في الأردن.

لكن هذه الندوة اثارت اسئلة من طراز موقف التل من المقاومة الفلسطينية، وقبل ذلك موقفه من حلف بغداد، وحرب اليمن، وعبد الناصر، والتيار القومي العربي التقدمي بشكل عام.. وقبل ذلك أيضاً علاقته مع حركة القوميين العرب.

منذ الكلمة الأول، التي القاها بلال التل، مدير عام المركز الأردني للدراسات والمعلومات، مفتتحاً بها اعمال الندوة، بدأ التأكيد في لغة شديدة الوضوح، على أن المرحوم وصفي التل لم يكن اقليمياً، وهذا ما أكد عليه جميع المتحدثين، وعلى نحو يمكن القول معه، أن هذه الندوة استعادت وصفي التل من خاطفيه، الذين تمترسوا بشعاراتهم التفريقية خلف تراث رجل، لم تكن له بالإقليمية علاقة.

بدأ بلال التل تناوله لهذه المسألة موضحاً أن وصفي قاتل في ايلول 1970 لبسط سيادة القانون “وقد كان في خندقه اردنيون من شرق النهر ومن غربه، وكان في مواجهته آخرون من شرق النهر ومن غربه”.

ويتساءل بلال التل في كلمته “فما بال فئة تحاول أن تشوه شهيدنا وهي تتمترس خلفه لإذكاء عصبيات ضيقة، أولها الإقليمية النتنة، التي كان وصفي عدوها الأول؟”.

ويضيف بلال “ولنتذكر جميعاً أنه لم يكن لوصفي إلا عدو واحد هو الحركة الصهيونية وربيبتها اسرائيل، فهو أول من أعلن أن اسرائيل غدة سرطانية يجب أن تزول، وأن فلسطين هي الأردن، وأن الأردن هو فلسطين”.

ووصل بلال بعد ذلك للقول “فحرام أن يتمترس البعض وراء وصفي للإساءة لفلسطين والفلسطينيين”.

على ذات هذا النهج تحدث أيضاً طاهر المصري رئيس مجلس الأعيان، الدكتور رجائي المعشر، نائب رئيس الوزراء السابق، المهندس عبد الهادي المجالي، رئيس مجلس النواب السابق، الدكتور ناصر الدين الأسد، رئيس الجامعة الأردنية الأسبق، الدكتور اسحاق الفرحان، الأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي، حمدي الطباع رئيس غرفة التجارة السابق، ومروان دودين الوزير الأسبق، داعيك عن الأشعار التي استحضرها حيدر محمود الذي تولى عرافة جلسة الإفتتاح.

الذين يتمترسون وراء وصفي التل لترويج بضاعتهم، التي وصفها إبن عم المرحوم بالنتنة، وصلتهم الرسالة، وسارعوا إلى الرد عليها من خلال شريط مصور لوصفي التل نفسه، تضمن جزءاً من مؤتمر صحفي له في عام 1971. لكنهم غفلوا عن أن وصفي ركز في هذا الشريط على أن الذين قاتلهم في ايلول/ سبتمبر 1970 لم يكونوا فدائيين، وإنما كانوا يهدفون لأمور اخرى غير العمل الفدائي، وأنه مصمم على إعادة تشكيل العمل الفدائي في الأردن لمقاتلة اسرائيل.

ووصف وصفي التل نفسه في هذا الشريط بأنه “عربي وفلسطيني”.

هذا الشريط الذي عممه موقع “كل الأردن” عبر موقع الـ “يوتيوب” لم يحسم الأمر، طالما أن هنالك من يريد مواصلة الجدل.

وصفي لم يكن اقليميا

في هذا السياق، قال طاهر المصري في كلمته “أجزم أن جل من قضوا، وبضمنهم الشهيد وصفي التل، هم أشد الناس حرصاً على سلامة ووحدة المجتمع الأردني العزيز، وليس بين صفوفهم أبداً من كان يدعو لعصبية أو ظلم حظه ومارس الفتنة، أو دعا لها”.

وطالب الدكتور رجائي المعشر الإقليميين في كملته بأن لا يجعلوا وصفي رمزاً للإقليمية الضيقة.

ويستحضر الدكتور علي محافظة العالم والمؤرخ البارز في ورقته ما قاله وصفي التل بتاريخ 7/11/1970 بعد أيام من تشكيله حكومته الثالثة، وذلك في مؤتمر صحفي “الأردن للفلسطيني مثلما هو للأردني، وفلسطين للأردن مثلما هي للفلسطيني سواء بسواء”.

كما استشهد بقول وصفي في ذات المؤتمر “جاءت هذه الحكومة، نعم، من أجل تحقيق وحدة وطنية عميقة ودائمة عنوانها الإخوة المقدسة، جاءت هذه الحكومة، وستضع في خدمة هذا الهدف كل ما تملكه من قدرات وطاقات وإمكانات”.

وصفي التل هل كان عضوا في حركة القوميين العرب..؟

أما الأسئلة التي اثارتها هذه الندوة، فقد كان أولها عن علاقة وصفي التل بحركة القوميين العرب..؟
يطرح هذا السؤال نفسه في ضوء ما ورد في ورقتي الدكتور البخيت رئيس الوزراء الأسبق، والدكتور محافظة، العلامة والمؤرخ البارز.

يقول البخيت في ورقته إنه اثناء دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت “ناقش وصفي وجادل العديد من ناشطي هذه الحركات، وقرر بعد قناعة الإلتحاق بحركة القوميين العرب”.

وينسب البخيت قرار وصفي التل الإلتحاق بالجيش البريطاني سنة 1942، بعد أن رفض طلبه الإنتساب للجيش العربي (الأردني)، إلى تشجيع قيادات حركة القوميين العرب على الإلتحاق بالجيش البريطاني بهدف التدرب على حمل السلاح، واكتساب الخبرة القتالية، استعداداً للمعركة المقبلة، وإسوة بما كان يفعله اليهود”.

غير أن الدكتور محافظة كان أكثر دقة في تعبيراته، حين تناول في ورقته علاقة وصفي التل بالفكر القومي. فهو يقول في أول صفحات هذه الورقة “والتحق وصفي بالجامعة الأميركية في بيروت سنة 1938، وانضم إلى حلقة الإستاذ الدكتور قسطنطين زريق فيها، مع حمد الفرحان، ومنيف الرزاز، وبرهان الدجاني، وجوج طعمة، ورياض فؤاد الخطيب، ودخل عضواً في عصبة العمل القومي”.

ويضيف محافظة في الورقة الثالثة عشرة من ورقته تحت عنوان “التضامن العربي والإتحاد العربي”: “كتب وصفي أول تصور له للإتحاد العربي بالإشتراك مع رفاق من القوميين العرب هم صلاح العنبتاوي، ونزار جردانة، ويوسف خوري، ونشر في كتيب صدر عن مؤتمر الخريجين الدائم لقضايا الوطن العربي الذي عقد في القدس سنة 1955، بعنوان “نحو الوحدة العربية: الفرد والمجتمع في الوطن العربي”.

وصفي وجه ضربة قاصمة لحركة القوميين العرب

وتأكيداً على أن وصفي لم يلتحق يوماً بعضوية حركة القوميين العرب، نسجل:

أولاً: أن وصفي التل التحق بالجيش البريطاني سنة 1942، في حين تأسست حركة القوميين العرب سنة 1952/ 1953.

ثانياً: لدى الإتصال مع اقطاب تاريخيين في الحركة، نفوا نفياً مطلقاً أن يكون وصفي التل كان يوماً عضواً في الحركة، غير أنهم اشاروا إلى:

1ـ أن وصفي كان ضمن الحلقة الملتفة حول الدكتور قسطنطين زريق في الجامعة الأميركية، التي ضمت قوميين عرب، توزعوا لاحقاً على حزب البعث، كما هو حال الدكتور منيف الرزاز، وجورج طعمة، وحركة القوميين العرب مثل حمد الفرحان.

2ـ أن وصفي نشر مقالاً واحداً في صحيفة “الرأي” التي كانت تصدرها حركة القوميين العرب في الأردن، وذلك سنة 1953، دون أن يكون عضواً في الحركة، وهو ما يعني أن مضمون ذلك المقال الذي تناول اسباب فشل الجيوش العربية في حرب فلسطين سنة 1948، لقي صدى ايجابياً لدى قيادة الحركة المشرفة على الصحيفة.

3ـ أن حكومة وصفي التل الثانية (13/2/1966ـ 4/3/1967)، وجهت ضربة قاصمة لتنظيم حركة القوميين العرب في الأردن، وذلك في نيسان/ ابريل 1966، حيث تم اعتقال الغالبية الساحقة من قيادات الحركة وكوادرها.

4ـ أن وصفي التل كان بعيداً جداً عن التنظيمات الفدائية التي أسستها حركة القوميين العرب اوائل ستينيات القرن الماضي (شباب الثأر وأبطال العودة). بل إن الأجهزة الأمنية لحكومة وصفي التل الثانية، كانت تلاحق اعضاء هذه التنظيمات وتعتقلهم.

5ـ أن وصفي التل لم تكن له أية علاقة مع الدكتور جورج حبش أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومؤسس حركة القوميين العرب خلال سنوات تواجد العمل الفدائي في الأردن علناً (1967ـ1971). وقد كانت حكومة وصفي الثالثة (7/1/1970ـ28/11/1975)، هي التي أنهت الوجود الفدائي في احراش جرش وعجلون، ومن ضمن ذلك الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، المنبثقتان كليهما عن حركة القوميين العرب.

وصفي التل كان إذا عضواً في “عصبة العمل القومي”، كما أورد الدكتور محافظة، اثناء فترة دراسته في الجامعة الأميركية، غير أنه التحق بعد ذلك بعضوية الحزب القومي الإجتماعي السوري، وأمن بفكر هذا الحزب، كما يؤكد كثيرون، يدللون على ذلك: بدور وصفي التل في فتح أبواب الدعم الأميركي للحزب القومي الإجتماعي السوري، وحليفة الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون اثناء الحرب الأهلية في لبنان سنة 1958، وفتح أبواب الأردن أمام القوميين السوريين الذين فروا من لبنان بعد محاولتهم تنفيذ انقلاب عسكري في لبنان سنة 1961.

كما أن الحزب القومي الإجتماعي السوري كان يغض النظر عن نشاطاته التنظيمة في الأردن، بعد أن تقرر حل جميع الأحزاب السياسية، عقب اقالة حكومة سليمان النابلسي سنة 1957.

وصفي خطط لاستعادة العرش الهاشمي في العراق وسوري

لكن الفكر القومي لدى وصفي التل كان متزاوجاً مع المحافظة.. لقد تحول إلى قومي محافظ بعد أن أصبح رئيساً للوزراء، إذ يقول الدكتور محافظة إن وصفي أشاد بعد تشكيله أول حكوماته سنة 1962 بالثورة العربية الكبرى وأهدافها، التي لم يكن يتطرق لها قبل ذلك، من قريب أو بعيد. وصفي كان حتى 1961 قومياً عربياً غير ملتزم نحو النظام الأردني.

مهم هنا أن نورد معلومتين هامتين رواهما أحد اقرباء وصفي التل في جلسة جانبية على هامش الندوة:

الأولى: أن وصفي التل حين كان سفيراً في بغداد في عهد عبد الكريم قاسم، كان على علاقة مع مجموعة من ضباط الجيش العراقي، الذين اعدوا خطة انقلاب عسكري ضد قاسم، هدفه إعادة النظام الملكي الهاشمي إلى العراق. وقد فاتح وصفي التل الملك حسين بهذا الشأن، حين التقاه في عمان.

وقد غضب الملك من أحد حضور ذلك الإجتماع الذي أبدى أن وصفي لن ينجح في إعادة عرش العراق، لكنه قد ينجح في الحاق الأذى بالعرش الأردني..!

الثانية: وحين كان وصفي التل رئيساً للوزراء سنة 1966، فإنه أعد خطة عسكرية لإعادة العرش الهاشمي إلى سوريا، وقد حشد من أجل ذلك القوات في منطقة جابر الحدودية مع سوريا، غير أنه لم يحصل على موافقة الملك حسين، مع أنه كان يؤكد أنه إن تلقى الموافقة، فإن القوات التي حشدها ستتناول طعام عشائها في دمشق.
كانت العلاقات الأردنية ـ السورية في ذلك الوقت غاية في السوء.

هذا الإنتماء القومي المحافظ، يضاف له تحليل الدكتور البخيت لشخصية التل، بأنه كان عسكرياً وكردياً في تكوينه، حيث عاش السنوات الخمس الأوائل من عمره في بيت جده الكردي ابراهيم بابان في شمال العراق، جعله إن حزم أمراً، لا يبالي بالنتائج التي يمكن أن تترتب على تنفيذه.

وصفي ينجح في إطلاق سراح منيف الرزاز من سجن سوري

ولأن هكذا كانت شخصية وصفي، فقد خطط ونفذ سنة 1966، ونجح في اطلاق سراح صديقه الدكتور منيف الرزاز، الأمين العام لحزب البعث من أحد سجون سوريا، حيث تم اعتقاله بعد “الحركة التصحيحية” التي قادها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد. ونفذ عملية الإختطاف والتحرير، ضباط سوريون كانوا على علاقة مع وصفي، حيث اوصلوا الرزاز عبر طريق غير معبد إلى لبنان، ومن هناك استقل الطائرة إلى عمان.

ويروي الرجل جانباً من حديث جرى بينه وبين الرزاز في بغداد، حيث أصبح نائباً للأمين العام لحزب البعث في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، إذ قال له الرزاز في منزله بالعاصمة العراقية أنه كان يتطابق مع وصفي تماماً من حيث الأهداف، لكنه كان يختلف معه من حيث الوسيلة، إذ كان وصفي لا يمانع في استخدام التآمر والعنف لتحقيق الهدف، أما هو (الرزاز) فقد كان يفضل الوسائل الديمقراطية.

ثم يصمت الرزاز برهة، ويواصل قائلاً “يبدو أن موقف وصفي كان هو الصح..!”.

تأييد وصفي لحلف بغداد

ولأن هذه هي شخصية وصفي التل، فقد اندفع مؤيداً حلف بغداد، كما يقول الدكتور البخيت في ورقته “لقد آمن وصفي بفكرة القوة والإرادة”..”وهي التي دفعته لتأييد دخول الأردن في حلف بغداد على سبيل المثال، حيث وقف ضد تيار الدعاية وحملة التضليل الواسعة ضد الحلف (قادها عبد الناصر)، وجادل بجرأة وبوضوح، بأهمية الحلف للأردن، وأن انضمامنا له سيعمل على تقوية الأردن عسكرياً”.

ويعيد الدكتور محافظة في ورقته إلى الأذهان أن وصفي خلال حكومته الأولى (28/1/1962ـ27/3/1963) انشغل بالحرب في اليمن بإتخاذه موقفاً مؤيداً للمملكة العربية السعودية، التي كانت تدعم الملكيين بقيادة الامام البدر، ضد ثورة 26/9/1969 التي قادها العقيد عبد الله السلال، والذي حظي بالمساندة العسكرية المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

موقف وصفي التل من فلسطين قبل وبعد تشكيله الحكومة

غير أن الأمر الذي يستحق التفصيل هو موقف وصفي التل من القضية، ثم الثورة الفلسطينية.

يقول الدكتور محافظة “وخلاصة القول، كان وصفي التل مفكراً قومياً مثالياً يركز على الخلق والعقل، وتسيطر عليه فكرة تحرير فلسطين، وكيفية تحريرها، حتى سنة 1962، وبتأليفه الوزارة الأردنية بدأت مرحلة جديدة غيرت فكره السابق إلى حد كبير، وأصبح همه الأول هو كيف يدافع عن الأردن وسياسته العربية والدولية، وكيف يمكن بناء الأردن ادارياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً للصمود في وجه العدوان الإسرائيلي، واتقاء الهجمات المتواصلة التي يتعرض لها من القوى الثورية التحررية العربية، وإنقاذه من الفوضى والإرتباك التي وقع فيها اثناء وجود العمل الفدائي على أرضه بين سنتي 1967ـ1971”.

لذا، فإن هذا التحول بعد تشكيل حكومة وصفي التل الأولى سنة 1962، انتج:

أولاً: مشاركة حكومة وصفي التل في حرب اليمن إلى جانب النظام الملكي الإمامي، الذي اطاحت به ثورة 26/9/1962، والتي مثلت رد اعتبار لعبد الناصر بعد انقلاب الإنفصال الذي فصل سوريا عن مصر، وفكك الجمهورية العربية المتحدة في 28/9/1961، وكان الأردن قد أيد ذلك الإنقلاب في حينه.

ثانياً: العمل على استعادة العرش الهاشمي في العراق، ثم في سوريا.

ثالثاً: رفض وصفي التل مشاركة الأردن في حرب 1967، التي أسفرت عن خسران الأردن للضفة الغربية، لأنه كان يعتقد بتفوق اسرائيل عسكرياً، ولم يكن يصدق ادعاءات عبد الناصر بشأن تفوقه العسكري على اسرائيل.

وقبل ذلك، رفض وصفي انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني من الأراضي الأردنية، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعرض الأردن لردة فعل عسكرية انتقامية من اسرائيل، على غرار عدوان السموع في تشرين ثاني/ نوفمبر 1966.

ولكن، ماذا كان موقف وصفي التل قبل 1962..؟

يمكن الإجابة على ذلك من واقع ورقة الدكتور البخيت في النقاط التالية:

أولاً: شارك وصفي في تأسيس جمعيات سرية اثناء دراسته، مثل “الكف الأسود”، وجمعية “الحرية الحمراء”، مع رفاق دراسته امثال حمد الفرحان، شفيق ارشيدات، اسماعيل النابلسي، هزاع المجالي وآخرون، وقيامهم بتصنيع المتفجرات وإلقاء القنابل والقيام بالمظاهرات أيام الثورة الفلسطينية سنة 1936.

ثانياً: التحق وصفي بجيش الإنقاذ الذي شكلته جامعة الدول العربية للمشاركة في حرب فلسطين 1948، وقد تدرج في هذا الجيش إلى رتبة مقدم، حيث سبق له العمل في الجيش البريطاني.

وقد تولى وصفي قيادة الفوج الرابع من هذا الجيش، وكان القائد الوحيد الذي حقق انتصارات على العصابات الصهيونية في حرب 1948، وكان فوجه آخر من انسحب من الأراضي الفلسطينية تنفيذاً لقرار قيادة الجيش، بعد أن رفض الإنسحاب وطالب بالإستمرار في القتال.

ثالثاً: آمن وصفي بعد هزيمة 1948 بأن المفاوضات مع اسرائيل لن تحقق السلام، وأن على العرب أن يعملوا على استئصال اسرائيل بإعتبارها ورماً خبيثاً.

وقد انصبت جميع مقالات ومؤلفات وكتب وصفي التل على معالجة القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي. وتحدث وصفي في كتاباته عن:

1ـ خرافة الحلول السلمية بشتى اشكالها وصورها.

2ـ خرافة احتواء اسرائيل.

3ـ خرافة الإعتماد على الضغوط الدولية والرأي العام العالمي.

4ـ اوهام انسحاب اسرائيل من بعض الأراضي التي احتلتها دون ثمن غال تكسبه، أو دون إكراه شديد لا يكون بمحض ارادتها.

رابعاً: حين بدأ التنافر بين المنظمات الفدائية، والجيش الأردني، اقترح وصفي التل اخضاع المنظمات الفدائيبة لقيادة عليا، حيث قدم في 1969 مذكرة للملك حسين، وكان حينها خارج الحكم، بعنوان “اهداف الإستراتيجية الإسرائيلية والخطة العربية المضادة لتصفية الوجود الإسرائيلي”، اقترح فيها “أن يصبح العمل الفدائي ركناً من اركان هذه الخطة، وأن ينظم وتنشأ له قيادة عليا

ويضيف الدكتور البخيت “مهما يكن، فلا يحتاج المرىء إلى مزيد من الأدلة لإثبات أن شخصاً بخلفية وصفي التل، كمقاتل ومفكر عسكري، لابد أن يكون بالضرورة مقتنعاً بأهمية العمل خلف خطوط العدو”.

مخاوف وصفي من انهيار النظام في الأردن

أما الدكتور محافظة، فيقول في ورقته إن وصفي التل حذر في مذكرته للملك من أن يؤدي الوضع الناجم عن “هزيمة العرب في حرب حزيران 1967، ونمو العمل الفدائي الفلسطيني وانتشاره على نطاق واسع على الساحة الأردنية”، إلى “انهيار الحكم والنظام في الأردن، الذي تسعى اسرائيل إلى انجازه من خلال الغارات العسكرية”.. وذلك استناداً إلى “تصور اسرائيل أن الأردن هو الحيط الواطي، والحلقة الضعيفة بين البلاد العربية، وأنه العقبة أمام تصفية القضية الفلسطينية”.

لذلك، فإن وصفي، وبعد أن نجح في طرد الفدائيين من الأردن، وضع خطة عسكرية لتحرير فلسطين، حملها إلى اجتماع وزراء الدفاع العرب في القاهرة، الذي قتل اثناء انعقاده، تدعو إلى توحيد الجهد العربي بمواجهة اسرائيل، وأن يكون للعمل الفدائي مكان في إطار هذه الخطة.

من قتل وصفي التل

ويتبقى سؤالان هامان:

الأول: من قتل وصفي التل..؟

الثاني: لم يحب الأردنيون وصفي التل حتى الآن..؟

الندوة لم تجب على السؤال الأول من قريب أو بعيد، غير أن التحقيقات المصرية أظهرت أن الطلقة القاتلة، وقد كانت الوحيدة التي اصابت وصفي التل في ظهرة، وخرجت من صدره بعد أن اخترقت قلبه، لم تكن من ذات النوع الذي استخدمه ثلاثة مهاجمين أمام مدخل الفندق الذي كان ينعقد فيه اجتماع وزراء الدفاع العرب. وهذا ما جعل القضاء المصري يبرىء مهاجمي وصفي الفلسطينيين من دمه.

المنطق يقول إن قناصاً ارسلته جهة على معرفة بخطة الإغتيال هو الذي قنص الرجل، لأن الجهة التي ارسلته كانت تريد أن تتأكد من موت وصفي، في حال فشل من ارادوا قتله، وهذا ما حدث..!

أما حب الأردنيين لوصفي فيكمن في كونه مثل حالة نادرة من رؤساء الحكومات الذين، لم يمتلكوا فقط قدرات ادارية نادرة، لكنه امتلك كذلك نزاهة ونظافة يد جعلته يورث اسرته ديوناً بلغت قيمتها 93 ألف دينار، أمر الملك حسين بتسديدها عنه..!

هذه النزاهة، كانت موضع مداخلات حضور الندوة، وهم يدعون رؤساء الحكومات، والوزراء الحاليين للإقتداء بوصفي التل.

وإلى جانب ذلك، فقد كان وصفي التل يمتلك شخصية شعبية منفتحة على الناس، لا تحول دون أن يتبسط في التعامل معهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s