اردنة الفلسطينيين.. البداية والمآلات..

اردنة الفلسطينيين.. البداية والمآلات.. بقلم شاكر الجوهري

ما وقد انتهت الإنتخابات البرلمانية، وأفضت إلى ما قدم على طريق انجازها، وكان بعضا من نتاجها معارك مؤسفة نشبت بكل معنى الكلمة في عدد من المحافظات، فإن ما رفع من شعارات انتخابية، وما نشر من مقالات ردت على تلك الشعارات، بعكس ما دعت إليه من تكريس وتجسيد الوحدة الوطنية بين مختلف مكونات النسيج الوطني للدولة الأردنية، يحفز على إبداء وجهة نظر عقلانية، تتبين وتبين، كيف أصبح الفلسطينيون اردنيون، قبل وحدة ضفتي نهر الأردن، والحقوق التي تترتب لهم بناء على ذلك، ومآلات تلك الوحدة في ضوء الإستحقاقات التي يعمل المجتمع الدولي على فرضها على الدولة الأردنية، وامكانية التنصل من هذه الإستحقاقات.. لقد ارتأينا تأجيل نشر هذه السلسة من المقالات، إلى ما بعد الإنتخابات، لجملة أسباب أهمها: أولا: حتى لا تؤثر هذه المقالات على توجهات الناخبين.. مشاركة أو مقاطعة، أو في أي الإتجاهات يكون التصويت، بحيث نعالج في بعض هذه المقالات، الوقائع غير الخاضعة لأية تأثيرات مسبقة. ثانيا: حتى لا تحمل هذه المقالات المسؤولية عن الإشتباكات المؤسفة، التي لم يفاجئنا اندلاعها، سواء بين هذه العشيرة أو تلك، أو بين أفخاذ العشيرة الواحدة. ثالثا: كي يتم التعامل مع هذه المقالات باعتبارها البلسم الذي يضع حدا، للإفرازات السلبية التي توقعنا مسبقا انبثاقها عن العملية الإنتخابية، وآلياتها غير المبشرة. هنا المقال الأول من هذه السلسلة التي تحمل عنوان “أردنة الفلسطينيين.. البداية والمآلات”: شاكر الجوهري المطالب التي تصدر عن البعض بنزع الجنسية الأردنية من المواطنين الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية تستدعي حوارا بناءا منتجا، بل مكرسا للوحدة الوطنية بين جميع مكونات النسيج الوطني الأردني. “اردنة” الأردن هي النقيض الكامل للوحدة الوطنية..! لا يجادل عاقل في هذا، إلا مخاتلا، ومحاولا لي عنق الحقيقة. لقد أراد البعض في الأردن أن يوظف المعركة الإنتخابية من أجل بث عوامل الفرقة بين ابناء المجتمع الواحد الموحد، من خلال منابر الترشح والترشيح. نستخدم هنا تسمية “المجتمع الواحد”، بدلا عن “الوطن”، ليس نفيا للتسمية الثانية، ولكن، لأن الأمر أقل جدلية، ويمثل مدخلا مناسبا لمحاورة أصحاب الرأي الآخر، والمصلحة الأخرى..! صحيح أن دعاة الفرقة والتفريق في الأردن هم أقلية، مندمجة على كل حال ضمن المجتمع الأردني الواحد، لكن مناقشة ومحاورة هؤلاء الإخوة تظل مطلوبة وملحة، ما داموا يواصلون النفخ في كير الفتنة، لأسباب بعضها يندرج تحت عنوان حسن النية، وبعضها الآخر تحت عنوان المصلحة الشخصية. نحن مجتمع واحد بدلالات لا حدود لها، من أبرز مظاهرها: أولا: أن دعاة الفرقة والتفريق يحاوروا ـ بعد أن يجالسوا ـ المستهدفين برفض الوحدة الوطنية..! ثانيا: أنه يندر حد الإستحالة، انعقاد مجلس اردني، أو مناسبة اردنية، يخلو، أو تخلو من مختلف مكونات النسيج الوطني الأردني.. أفراح.. أتراح، وجاهات..إلخ. ثالثا: الصداقات الحميمة التي تجمع اردنيين من شتى الأصول والمنابت، بما في ذلك بين دعاة فرقة وتفريق، واردنيين من أصول فلسطينية. رابعا: حالات النسب والمصاهرة التي تربط عرى الغالبية الساحقة من مواطني الأردن. تقول احصائية معتبرة أن هناك أكثر من نصف مليون زيجة مختلطة تجمع شرق اردنيين واردنيات بغرب اردنيين واردنيات. وإذا فرضنا أن معدل خلفة الأسرة الواحدة هو خمسة أطفال، يكون عدد المواطنين الناتجين عن هذه الزيجات المباركة مليونان ونصف المليون مولود، يضافوا إلى المليون زوج وزوجة الذين شكلوا نويات هذه الأسر.. ثلاثة ملايين ونصف المليون اردني يشكلون الغالبية العددية من أصل ما يزيد على الخمسة ملايين اردني..! هذه النتيجة تنعكس على أرض الواقع من خلال: أولا: الشعارات الإنتخابية التي ترفع شعارات الوحدة الوطنية، وخاصة المرشحون من أصول شرق اردنية. ثانيا: تجانس العادات والتقاليد، ووحدة اللهجة بين جميع الأردنيين، باستثناء فروقات بسيطة، يوجد أكثر منها بين لهجات أهالي هذه المحافظة أو تلك في مختلف دول العالم. ثالثا: وجود مجتمع اردني واحد موحد، وشديد التجانس أيضا. *** لماذ نركز على وحدة المجتمع الأردني..؟ نفعل ذلك لأن المجتمع هو نواة الدولة.. هذه هي الحقيقة التي أنتجت جميع دول العالم.. مجتمعات تشكلت ونمت وتطورت واتسعت الرقعة الجغرافية التي تعيش فيها، فاستدعى الأمر تنظيم العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع، وذلك من خلال سلطة حكم أولا، ثم تشريع قوانين. يحدثنا التاريخ عن جملة حقائق ثابتة، فيما يخص موضوع الوحدة الوطنية في الأردن، وذلك في معرض محاورة الإخوة الذين يقولون برفض الوحدة الوطنية بين الشرق اردنيين، والغرب اردنيين، والمناداة بقصر مفهوم الوحدة الوطنية على بقية مكونات النسيج الوطني الأخرى.. شوام، عراقيون، لبنانيون، شركس شيشان، حجازيون، نجديون، يمنيون..إلخ. بل لقد بلغ الأمر بأحد هؤلاء حد رفض استئناف الحوار، ما لم يقر محاوره بفلسطينيته، وقد فعل لعدم وجود في ذلك ما يناقض حقيقة أن كل الفلسطينيين اردنيون دفاعا عن الأردن، وكل الأردنيين فلسطينيون دفاعا عن فلسطين..! *** من بين الحقائق التي تفرض نفسها في هذا المقام أن جنوب الأردن بخارطته الحالية إنما يشكل نصف سنجق فلسطين التاريخي، وأن شمال الأردن يمثل نصف سنجق الأردن التاريخي. وتلك على كل حال كانت سناجق، لا دولا.. ذلك أن الدولة الأردنية تأسست لأول مرة سنة 1921، وقد بنيت على قاعدة المجتمعات المحلية الأساسية في الشمال (عجلون)، والوسط (البلقاء) والجنوب (الكرك)، وكذلك على قاعدة الوافدين المحررين لشرق نهر الأردن من وعد بلفور، والعصابات الصهيونية، وقد كان من بينهم حجازيون، وعراقيون، وشوام (بما في ذلك لبنانيون، أحدهم رشيد طليع، أول رئيس وزراء للأردن)، وفلسطينيون بطبيعة الحال. وعلى ذلك، فإن نصف سنجق الأردن (الشمال) مطالب (بضم الميم) بتحرير نصفه الآخر المقابل؛ ونصف سنجق فلسطين (الجنوب) مطالب (بضم الميم) بتحرير نصفه الآخر المقابل.. النصفان المحتلان هما في واقع الأمر نصفا سنجقي الأردن وفلسطين..! نكرر.. سناجق لا دول..! لكن كل سنجق من هذين السنجقين كانت نواته الأولى مجتمع محلي.. ومع مرور الزمن، تحول المجتمع العرضي إلى مجتمع طولي، شاءت الظروف الموضوعية أن يتم تبلور دولة في نصفه الواقع شرق النهر، مع أنه لم يكن بالمجتمع الأكثر تطورا، واحتلال نصفه الأخر الواقع غرب النهر، مع أنه كان يمثل المجتمع الأكثر تطورا..! تلك تطورات فرضتها ظروف المؤامرة التي استهدفت الضفتين معا.. الضفة الغربية باحتلالها على مرحلتين 1948، ثم 1967. والضفة الشرقية بإبقائها نصب عين المؤامرة من خلال شعارات من طراز الحل، أو الدولة الفلسطينية في الأردن (التوطين)..! هذا الحل مرفوض من مختلف مكونات ما أصبح يعرف بالشعبين الفلسطيني والأردني سواء بسواء، لأن جميع الأردنيين فلسطينيون دفاعا عن فلسطين، وجميع الفلسطينيين اردنيون دفاعا عن الأردن. هذه الحقيقة تفرضها المصلحة المشتركة العليا لجميع الأردنيين، الذين يتشكل منهم شعب الأردن على تعدد اصوله ومنابته، ولجميع الفلسطينيين خارج الأردن الذين لم يندمجوا سياسيا ضمن الشعب الأردني، على الرغم من وجود وشائج علاقات اجتماعية بينهم لا تقل عن غيرهم. قبل أن تتوالى فصول المؤامرة، كان أهالي شرق الأردن، يرعون ماشيتهم في ربوع فلسطين، ويتاجرون مع مدنها وحواضرها، ويتنقلون بحثا عن الماء والكلأ في مرابعها، حيث كان شرق الأردن وفلسطين يشكلان معا جنوب سوريا. *** عندما جاء الأمير (الملك) عبد الله الأول إلى معان، ثم إلى السلط وعمان، فإنما حل في قسم من الأراضي السورية بهدف العمل على تحرير بقية الأراضي السورية من جيش الإحتلال الفرنسي، وقد التف من حوله على هذا الهدف القومي جميع أحرار سوريا على تعدد اقاليمهم. وقد تعامل الأمير مع سلطة المندوب السامي البريطاني في القدس من قبيل الإقرار بالأمر الواقع، فقد كانت سلطة المندوب السامي تشمل كل جنوب سوريا، وكان هنالك نائبا للمندوب السامي في شرق الأردن. وقد كانت القوانين الفلسطينية مطبقة في شرق الأردن، وبعضها لازال ساري المفعول حتى الآن، كما كان الجنيه الفلسطيني هو العملة الرسمية المتداولة في ضفتي النهر الواصل، لا العازل. الصفحة التالية من هذا التاريخ المشترك تتمثل في قيام الإمارة.. إمارة الشرق العربي أولا، التي تحول إسمها لاحقا إلى إمارة شرق الأردن، قبل أن تصبح مع وحدة الضفتين المملكة الأردنية الهاشمية، حيث تم سلخها عن وعد بلفور، لكنه بقي في عمان نائب للمندوب السامي في القدس، حتى يوم الإستقلال، الذي كرس سلخ شرق الأردن عن الأطماع الصهيونية؛ بموافقة بريطانية، شريطة احتواء الدولة الوليدة للمخرجات اللاحقة للقضية الفلسطينية في الصفحة المقبلة من المؤامرة البريطانية الصهيونية، وحين يحين اوانها، الذي حان سنة 1948، ويبدو أن مرحلة جديدة من هذه المؤامر توشك أن يحين اوانها أيضا. وعودة إلى نكبة فلسطين سنة 1948، لنقرر ما سبق أن قرره التاريخ من أن وحدة الضفتين كانت سابقة على النكبة، وعلى قيام الإمارة، من خلال وحدة اقليم سوريا الجنوبية قبل الإنتداب، وبعده إلى حين قيام الإمارة، وبعدها، وقبل وحدة الضفتين الرسمية سنة 1951، ذلك أن الجيش العربي حين دخل الأراضي الفلسطينية في 15/5/1948، تميز دخوله بثلاثة أمور بالغة الأهمية لهذه الجهة: الأمر الأول: التزامه في خوض عملياته، إلى حد كبير، بخطوط التقسيم التي نص عليها القرار 181، ثم اضطراره للتراجع عن خط التقسيم تحت ضغط القوات الصهيونية التي كانت أكثر عددا وعتادا. الأمر الثاني: أعلن الأميرلاي عمر مطر حاكما عسكريا للضفة الغربية منذ اليوم الأول لدخول كتائبه للضفة. الأمر الثالث: نزعه لأسلحة مقاتلي جيش الجهاد المقدس الفلسطيني، والسيطرة على مقر قيادته في بيرزيت، باعتبار أن دحر عصابات الصهاينة هي مهمة الجيوش النظامية العربية. ومنذ ذلك الحين (15/5/1948)، أصبح حاكم عام الضفة الغربية يتعامل مع سكانها باعتبارهم رعايا اردنيين، ليتم تأكيد ذلك لاحقا من خلال مؤتمرات عمان (1/11/1948)، أريحا (1/12/1948)، رام الله (26/12/1948)، ونابلس (28/12/1948)، وقد كانت هذه المؤتمرات تعقد في مدن الضفة الغربية بأمر من الحاكم العسكري الأميرلاي عمر مطر. وبموجب هذه المؤتمرات، أجريت انتخابات برلمانية في الضفتين بتاريخ 11/4/1950، حيث تشكل مجلس نواب مشترك من الضفتين قرر وحدتهما. هي إذا مواطنة اردنية فرضت على فلسطينيي الضفة الغربية أولا، ثم كرستها وحدة الضفتين لاحقا وفقا للمؤتمرات المشار إليها، ثم تكرست مجددا بموجب تصويت مجلس نواب مشترك. *** الآن، من يملك نزع حق المواطنة من الأردنيين ذووي الأصول الفلسطينية..؟ هنالك تعليمات فك الإرتباط، التي تقرر سحب الجنسية الأردنية ممن تنطبق عليهم هذه التعليمات، وهنالك دعوات تصدر عن عدد محدود من المواطنين، يحل نفسه محل الدولة، يطالب بسحب الجنسية الأردنية مرة واحدة من ما يفوق الثلاثة ملايين مواطن، كحد أقصى، أو من الذين سكنوا في الضفة الشرقية بعد قرار فك الإرتباط كحد أدنى..! وتلك، مسألة أخرى، تحتاج إلى مناقشة مستقلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s