د. سفيان التل يكتب ل ” آخر خبر ” : الحراك في الأردن .. ماذا يعكس ؟!!

د. سفيان التل يكتب ل ” آخر خبر ” : الحراك في الأردن .. ماذا يعكس ؟!!

اسقاط  الضرائب على الفلسطينين، مقابل الحديث عن فض الشراكة معهم...او اعادة  تنظيم هذه الشراكة في عمل وطني موحد

اسقاط الضرائب على الفلسطينين، مقابل الحديث عن فض الشراكة معهم…او اعادة تنظيم هذه الشراكة في عمل وطني موحد

كتب : د. سفيان التل – عمان – خاص – –

هذا ليس بيانا ضمن موجة البيانات الأخيرة، وهو ليس ردا على أحد، أو مؤازرة لأحد، بل هو تحليل لتطورات وحراك اجتماعي حقيقي فعلي,  يجري على أرض الواقع, لكنه فاقدا للبوصلة.  ويستند تحليل الواقع  والوقائع كما هي، وضمن سياقاتها وشروطها الموضوعية الى المنهج العلمي، ويأتي في سياق تقليد اختطته المبادرة الوطنية الأردنية لنفسها لخلق حوار وحراك بين كافة المعنيين والجماهير، انطلاقا من روح المسؤولية الوطنية، والحرص أولا وأخيراً، على مصالح الشعب، خاصة الشرائح الكادحة والمنتجة منه، ووحدة الصف والموقف لمواجهة الهجمة الصهيو–أمريكية المعلنة  والمطروحة تحت عناوين مختلفة: الشرق الأوسط الجديد/الكبير (المزروع حرية وديمقراطية والحوار مع الآخر…الخ) وكونفدرالية الأراضي المقدسة(التي تحمل السلام والتقدم والازدهار والرخاء لشعوب المنطقة)، يتم إنفاذ هذه المشاريع بوسائل وأساليب بعضها معلن وأخر مخفي، تقوم قوى التبعية المحلية الحاكمة بدور مهم في تمريره، عن طريق توظيف الدولة والمجتمع لخدمة هذه المشاريع، حيث سلمت سيادته وثرواته وممتلكاته للشركات المتعدية الجنسيات، وحين مررت كافة أملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين المفروضة على البلاد، دون ألأخذ بنظر الاعتبار للحد الأدنى من مصالح الشعب والوطن. وتم تسويق هذه المشاريع من قبل نخب محلية موظفة لتزييف وعي المجتمع، وحرف النضال عن مجراه الطبيعي، وعن العدو الحقيقي الخارجي والداخلي، باتجاهات تؤدي الى تمزيق وحدة صفوف الشعب، والمجتمع والوطن.

ابتداء وقبل كل شيء، أن الأفكار والقراءات والتحذيرات التي تطلق هنا وهناك، لا تنفصل عن سياقاتها، ومصداقية القوى التي تتصدى لها، سواء كانت مصداقية سياسية أو أخلاقية أو مناقبية، فالتأشير على العدو الصهيوني، وعلى مخاطر البنك وصندوق النقد الدوليين، وتفكيك الدولة، وعلى الاستبداد والفساد، يظل بلا معنى ولغوا لا أكثر، أذا لم يستند الى بعدين هامين:

الأول: وضع هذا التشخيص في إطاره الوطني الصحيح، بحيث لا يكون غطاء لتمرير الأجندة المضادة، وبحيث لا يصرف الانتباه عن الخطر الرئيس نحو احتقانات محلية تخدم هذا الخطر بدلا من مواجهته.

الثاني: أن يستند هذا التشخيص الى خلفية سياسية وأخلاقية نظيفة، وكذلك سيرة وطنية موثوقة للقائمين عليه، وتاريخ مشهود لهم في الدفاع عن حقوق الشعب ومصالحه.

بكلمات أخرى، لا يمكن فصل المشروع عن حامله الاجتماعي، فحامل المشروع الوطني التحريري يجب أن يكون، قوى اجتماعية صاحبة مصلحة حقيقية في التحرر، فلا يمكن أن يحمل هذا المشروع قوى التبعية، ومشروع بناء دولة منتجة ومجتمع منتج، لا تحمله فئة السماسرة، ولا يحمل مهمة الحفاظ على الثروات والممتلكات العامة للوطن، وكلاء الشركات متعدية الجنسيات والعابرة للقارات، ولا يحافظ على الوحدة الوطنية من يبع الثروات الوطنية والشركات الوطنية المنتجة، ومن يعتدي على لقمة عيش الفقراء ومستوى معيشة المواطنين، ومن يهدم الطبقة الوسطى، ومن يتخذ القرارات المصيرية بالنسبة لمصير الدولة والمجتمع في غرف مغلقة، ومن يعتبر التناقض التناحري مع العدو الصهيو-أمريكي ومخططاته، شطحات إيديولوجية عفا عليها الزمن، ولا يمكن أن يكون حريصا على الهوية العروبية للأردن، من يعمل على تغريب المجتمع وتغيير المناهج، بحسب أملاءات أجنبية.

في ضوء هذا الاستدراك، تعيد المبادرة الوطنية التأكيد على جملة المخاطر التي حذرت منها، وتصدت لها، ونجحت في بعض الأحيان من تعبئة الرأي العام ضدها (مثلا مشروع الأقاليم)، وعلى رأس هذه المخاطر ما بات عناوين لبيانات قوى عديدة، استبدال الدولة – المجتمع – الجيش بثلاثي أخر، السلطة – المجاميع – الأمن،  ومن أجل ذلك يتم:

أولاً: تفكيك الدولة، عبر الخضوع لأملاءات الصندوق والبنك الدوليين، وعبر تدمير دولة الرعاية الاجتماعية لصالح دولة السوق والسماسرة، وعبر بيع القطاع العام لما يسمى بالشريك الاستراتجي بحجة إطفاء المديونية، وعبر نهب أراضي الدولة من قبل متنفذين، وعبر السطو على المال العام من قبل الفاسدين، وعبر رفع يد الدولة عن التدخل في السوق، ورفع الدعم عن السلع الأساسية للشرائح الكادحة والفقيرة، وعبر استباحة ثروات ومقدرات الوطن لصالح الشركات الأجنبية.

ثانياُ: تفكيك المجتمع، عبر آليات شيطانية، فقانون الصوت الواحد تم تسويقه، في الأوساط الشرق الأردنية بأنه يهدف الى منع الشق الفلسطيني من المجتمع، من السيطرة على الدولة، وتم تسويقه في الأوساط اليسارية والقومية والعلمانية بأنه موجهة ضد القوى الإسلامية السلفية التي تريد إعادة المجتمع مئات السنوات الى الوراء، ولكن فعله الحقيقي على الأرض أدى الى تفتيت المجتمع بكافة مكوناته وصولا الى العشائر  الأردنية، والمشاجرات الجماعية المبرمجة في الجامعات كما في القرى والبوادي أدي الى تفتيت المجتمع على أسس عشائرية وجهويه. وعبر سياسة تحفيز الاستهلاك، بكافة صوره المادية والروحية والثقافية، ومعاقبة الإنتاج، بكافة صوره المادية والثقافية والروحية، السياسة الأخطر على المجتمع، التي ولدت جل الأمراض الاجتماعية، التي لم تكن معروفة في مجتمعنا قبل استلام قوى الكمبرادور مقاليد السلطة في البلاد.

ثالثاً: تفكيك الاقتصاد، حيث تم تفكيك الاقتصاد الكلي الى اقتصاد قطاعي مرتبط بمراكز أجنبية، وبحيث أصبح أكثر من خمسين بالمائة من الاقتصاد الأردني في يد غير الأردنيين.

رابعاً: تفكيك السيادة على الأرض، عبر ما يسمى: المناطق الخاصة والمناطق التنموية والمناطق الصناعية الخاصة، ومناطق “الكوَّز”، والمحميات… الخ

خامساً: ضرب المجتمع المدني (الأحزاب والنقابات) وتهميشه عبر قانون الأحزاب وكذلك قانون الانتخابات واحتواء النقابات. وتلفت المبادرة الانتباه الى أن نقل الحديث عن قرار فك الارتباط من إطاره السياسي – الإداري الى النقابات كما اقترح احد البيانات ليس بعيدا عن آليات التفكيك المذكورة.

أن كسر حلقة التبعية، وتحرير الثروات والموارد الطبيعية، وامتلاك الإرادة السياسي، والانتقال من الدولة الوظيفية التابعة الاستهلاكية الى الدولة الوطنية المنتجة، عبر بناء الاقتصاد المنتج التي تتوفر جل شروطه، هي مقدمات وغايات لا بد من تحقيقيها للخروج الفعلي وبشكل نهائي من دائرة الأزمات المستمرة، الحقيقية منها والمفتعل.

فالسياسات القائمة تولد سلسلة أزمات متتالية، وتعكس مصالح رجال الأعمال (البزنس) والقوى الطفيلية، وتخدم أساساً تحويل الأردن الى مجال حيوي للعدو الصهيوني، وتسهم بتصفية القضية الفلسطينية، وتحويل بلدنا الى جسر لدمج العدو في المنطقة، كمركز إقليمي للشرق الأوسط الأمريكي – الصهيوني.

إن حرب البيانات التي تندلع بين فترة وأخرى ما تكاد تطفو حتى تخبو، ثم تنطلق من جديد، تحت مسميات جديدة، فخلال السنوات الماضية، ظهرت حرب البيانات على الفساد والسرقات، ثم حرب البيانات على بيع أراضي الدولة، ثم حرب البيانات الإقليمية، وأخيرا حرب البيانات الحالي …بشكلها ووظيفتها التنفسية والتحريفية، وهي لا تخدم بالمحصلة النهائية إلا العدو وخططه.

فالحلول الحقيقية واضحة، والأهداف واضحة، والطريق للخروج من الأزمة المركبة التي تعيشها البلاد معروفة، فلماذا أذا هذا التخبط في تحديد العدو، ولماذا هذا التخبط في تحديد الشروط الواقعية والحقيقية والموضوعية، للخروج من هذه الأزمة المستدامة والمرافقة لنشوء الدولة منذ ظهور الأمارة.

بعد أحداث أيلول الأسود، عام 1970، استقرت بالتواطؤ غير المعلن بين أطراف، عالمية وإقليمية ومحلية، سياسة التقسيم الوظيفي في الأردن، حيث ارتبطت البرجوازية في شقها الفلسطيني الأصل بشؤون السوق، والبرجوازية في شقها الشرق أردني، بشؤون مؤسسات الدولة، وهو التقسيم الذي بقي مستقرا الى حد ما حتى فترة قصيرة، ألا أن حراكا، يجري في الآونة الأخيرة نتيجة الأزمة المركبة التي تعيشها الدولة والمجتمع، المؤسسات والسوق، والتي تعززت نتيجة أزمة الرأسمالية العالمية.

ففي مجرى التحول الذي طرأ على الرأسمالية، وسيطرة قوى الرأسمال المالي على السوق، فرضت شروطا جديدة على الدول والحكومات،  ببيع القطاع العام، تقليص عديد الموظفين في مؤسسات الدولة تحت شعار ترشيق الدولة، وفرض شرط عدم تدخل الدولة في السوق، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، ومنع الدولة من القيام بدور الرعاية الاجتماعية، كل ذلك أدى الى تقزيم دور البيروقراطية المدنية والعسكرية وتأزمهما، كذلك تأزمة برجوازية السوق المحلي، نتيجة  لفتح الأسواق وإغراقها بالسلع الأجنبية المنافسة، ورفع كافة العوائق الجمركية أمام حركة رؤوس الأموال والسلع الأجنبية، إضافة لاحتلال العراق، السوق التاريخي للسلع الأردنية، ثم جاءت الأزمة العالمية، لتعمق أزمة برجوازية السوق، وخاصة السوق العقاري وسوق الأسهم والتداول والتمويل، التي أصبحت عماد النشاط الاقتصادي في البلاد، بعدما تسلمت قوى الكمبرادور ناصية القرار في البلاد.

ففي سياق هذه الأزمة أخذت البرجوازية الشرق أردنية تنظر الى إعادة اقتسام السوق، تحت عنوان أن الفلسطينيين يسيطرون على الاقتصاد، بينما أخذت البرجوازية ذات الأصول الفلسطينية، بالمطالبة بحصة لها في مؤسسات الدولة، تحت شعار الحقوق المنقوصة. وأخذ شقي هذه البرجوازية المأزومة، بتجيش طرف من الشعب ضد الطرف الأخر، في معركة ليست معركته، وفي صراع ليس له فيه لا ناقة ولا جمل، فأيا كان مآل هذا الصراع، فالخاسر هو الشعب وحده، ولن يربح فيه أيضا أي شق من شقي البرجوازية، لا بل سيخسر كليهما، لأن البديل الصهيوني قد اعد وأصبح جاهزا في سياق ما يعرف بالمشاريع الإقليمية المشتركة، البنية التحتية: طرق ومطارات وسكك حديد، ومدن صناعية ومناطق خاصة، ومشاريع مياه …الخ، حيث تم الإعلان قبل فترة قصيرة، من قبل المخابرات المركزية الأمريكية، عن مشروع تحت مسمى “كونفدرالية الأراضي المقدسة”، والتي تعكس هيمنة دولة، هي “إسرائيل” على كيانين، هما فلسطين والأردن.
وليس بلا معنى، كيف أن النخب الإقليمية عند الطرفين، مستعدة للتفريط بالحقوق الشعبية المزعومة، كما يظهر خطاب كل منهما عبر حرب البيانات التي تصدر بين الفينة والفينة، والتي أصبحت مكشوفة لجماهير شعبنا، فالحديث الإقليمي الفلسطيني عن الهوية يختفي في الدعوة الى المحصاصة داخل الهوية الأخرى (الهوية الأردنية)، والحديث الإقليمي الشرق أردني عن نقاء الدولة الأردنية، على طريقة (يهودية الدولة) التي يطرحها العدو الصهيوني في فلسطين العربية المحتلة، يذوب مثل الملح في التسامح والكرم  الإقليمي الأردني المفاجئ، الذي يخدم شعار يهودية الدولة المذكور، وذلك بدعوة النخب الإقليمية الأردنية، لأردنه مليون ونصف مليون من لاجئي عام 1948، وهو ما يريده العدو بالضبط، فيما ترفع الصوت عاليا ضد تجنيس بضعة آلاف من نازحي 1967، وهو ما يفتح معركة ليس مع العدو بل مع الأوساط الفلسطينية.

وليس بصدفة تزامن معركة الهوية ومعركة المحاصصة المفتعلة، مع طرح سؤال من هو الفلسطيني. سؤال كان يبدو في حينه ساذجا لكن ملامحه وأهدافه، لم تظهر بشكل جلي، ألا في مرحلة متأخرة، المرحلة اللاحقة على توقيع اتفاقات ومعاهدات، كامن ديفيد، وأوسلو ثم وادي عربة، حيث استعيض عن مصطلح الشعب الفلسطيني، بمصطلحات تولدت من الهزائم: هزيمة عام 1948: أدخلت مصطلح اللاجئ، الذي أرغم على الخروج، و”عرب الثماني وأربعين” الذين صمدوا في أرضهم، ونكسة عام 1967 أدخلت مصطلح النازح، ومن ثم مرحلة ما بعد، ما يسمى معاهدات السلام، أدخلت لون البطاقة في تعريف الفلسطيني، (البطاقة الخضراء والبطاقة الصفراء والبطاقة الزرقاء)، وكل هذا يأتي في سياق مخطط تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية وتجزئتها، وبهدف طمس جوهر القضية، وتحويلها من قضية شعب استعمرت أرضة، وطرد منها، من قبل قوة استعمارية كلاسيكية، الى قضية إنسانية جوهرها البحث عن موقع جغرافي لتوطينهم.

فبعد تفكيك الهوية الفلسطينية، وتشظيها الى هويات جغرافية وهويات بطاقة، طرح سؤال التمثيل، من يمثل الشعب الفلسطيني؟، ففي الواقع السياسي الفلسطيني والعربي نمت صيغ مختلفة للتمثيل: سلطة الحكم الذاتي – منظمة التحرير الفلسطينية- فصائل المقاومة- الحركة السياسية لفلسطيني الداخل (48)، على صعيد فلسطين المحتلة، وفي الشتات، وتحديدا في الأردن، وبعد أيلول الأسود عام 1970، غابت كليا صفة التمثيل السياسي الفلسطيني.

لا لفزاعة الوطن البديل نعم لمواجهة التوطين السكاني.

تعيد المبادرة الوطنية وتكرر أن الوطن البديل  بالمعنى السياسي فزاعة ليس إلا، بهدف إدخال البلاد في مناخات توتر واحتراب إقليمي، فإعمال العقل قليلا، يصل الى حقيقة مفادها، لا الصهاينة ولا الامبريالية الغربية، تسمح بقيام دولة فلسطينية، أينما كان على سطح الكرة الأرضية، كون الدولة الفلسطينية تعني الحفاظ على الهوية الفلسطينية التي هي النقيض التناحري للهوية اليهودية-الصهيونية، ولذلك وبعد اتفاقات أوسلو، وبناء مؤسسات السلطة الفلسطينية على جزء من الضفة وغزة، قامت القوات الصهيونية بتدمير كل هذه المؤسسات، وحصار ياسر عرفات، (رفيق التوقيع) في المقاطعة ومن ثم تسميمه، كذلك انقلبت الإدارة الأمريكية ومعها الحكومات الغربية على نتائج الانتخابات التي جرت في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحت إشرافهم، وبعد ذلك تم تدمير المؤسسات الجنينية في غزة، من قبل القوات الصهيونية، فكيف ستسمح هذه القوى بقيام دولة فلسطينية في الأردن، وخاصة بعد حرب 2006 ودخول الصواريخ في حسابات موازين القوى، على طول حدود تمتد حوالي 570 كم، وعلى طول سلسلة الجبال الغربية، التي لا تبعد هوائي في أقصى مدى بضع عشرات من الكيلومترات عن عمق الكيان الصهيوني، عن تجمع مدنه على الساحل، عن مصانعهم ومطاراتهم، عن مزارعهم وعن الشواطئ، فهل من عاقل يمكن أن يصدق فكرة الوطن البديل..؟.

إن ممثلي البيروقراط الأردني أنفسهم، الذين يركبون اليوم موجة التحريض الإقليمي، هم الذين زوروا الانتخابات النيابية التي أفضت الى المجلس النيابي، الذي تبنى معاهدة وادي عربة، بما فيها المادة الثامنة، التي تدعو الى التوطين، فبرلمان البيروقراط الأردني وشركائه من  سماسرة  السوق وليس البرلمان الفلسطيني هو من مرر اخطر محطة توطين في الأردن، ومن جهة أخرى فان الأردن ومنذ وادي عربه وسيطرة رجال البنك وصندوق النقد الدوليين على إدارة الدولة، جرى تفكيكها على إيقاع الأجندة الصهيونية وبحيث لم يعد وطنا سياسيا أصيلا للأردنيين، ولن يصبح وطننا سياسيا بديلا للفلسطينيين، فما هو مطروح على أجندة العدو الصهيوني، وشبكات رجال الأعمال (البزنس) المحلية المرتبطة بمراكز رأس المال العالمي،سواء كانت أردنية أو فلسطينية،هو توطين سكاني وليس توطين سياسي، حيث يتعامل العدو مع الأرض العربية الفلسطينية – الأردنية بين البحر والصحراء،على أنها أرضا إسرائيلية يعيش عليها سكان عرب يدارون من قبل سلطات محلية في إطار مشروع البينيلوكس الثلاثي (دولة إسرائيلية وسلطات فلسطينية وأردنية)، جرى تفريغهما من كل بعد سيادي وتحولهما الى شكل من أشكال السلطة الشرطية الجابية ( امن وجباية).

مصالح الناس أم مصالح النخب في هذا الحراك

أن الحراك الجاري تعبيرا عن أزمة حقيقية تلف الجميع، النظام والمعارضة والمجتمع، وذلك متوقع نتيجة لمجمل السياسات العامة المذكورة سابقا، ولا يخفى على أحد ان القسم الأكبر من مظاهر الحراك الأخير، هو جزء من الأزمة العامة للتحالف الحاكم وتشرذم مراكز القوى فيه وتخبطها وانعدام الرؤيا والوزن معاً … وليس مصادفة هذا الخليط من الافكار المتضاربة، فهي تاره تقترب من التشخيص الذي سبق للمبادرة الوطنية ان قدمته للراي العام وعنوانه العام (انتحار دولة)، وهي تارة اخرى تقترب من دائرة النار الاقليمية، سواء تحت ظروف ضغط القلق المشروع، او تحت ضغط القوى الموتوره، كما يلاحظ ايضاً ان جانباً من ازمة النظام والنخب التي تلتف حول بعض مراكز القوى فيه، يعود الى دخول الاردن بما يمكن تسميته باقتصاد او مرحلة (الندرة)، بعد ان احتجب هذا الصراع عقوداً طويلة في مراحل (الوفرة).

فمنذ تاسيس الاردن، والى ما قبل سنوات، والحكومات المتعاقبة تقوم باستيعاب الكتلة الفلسطينية واردنتها، حيث ظلت النخب الاردنية صامته بل متواطئة مع هذه السياسية، لانها كانت مستفيدة بشكل مباشر على شكل عائدات وتسهيلات، وكانت تدرك كل الادراك ثمنها السياسي في اطار هضم الفلسطينين.

ولم تلحظ هذه النخب انه منذ انهيار الطابع الاجتماعي للدولة، وتقليص الدعم عن الدور السياسي المعروف للاردن، فان المصدر الاساسي للدخل الجديد ياتي من دافعي الضرائب، وبينهم الكلتة الفلسطينية، مما يرتب على النخب الاردنية المذكورة احد خيارين:

– اسقاط الضرائب على الفلسطينين، مقابل الحديث عن فض الشراكة معهم…
– او اعادة تنظيم هذه الشراكة في عمل وطني موحد ….

وفي مواجهة اوهام التنافس والصراع على قانون الانتخابات وخلافه، وفي مواجهة صراع النخب الاقليمية التي خرجت من رحم البيروقراط الاردني والفلسطيني، فالمطلوب هو اعادة الاعتبار لبرنامج التحرر الوطني من جهة، وللاقتصاد الانتاجي الذي كان غيابه سبباً في حرمان البلاد من نخب مدنية حقيقية تحترم الاختلاف في اطار مشروع وطني ديمقراطي.

ما العمل؟

في ضوء ما تقدم فان مواجهة الأزمة العامة ومظاهرها عند النظام والمجتمع والنخب المختلفة، ليس في قانون الانتخابات الحالي أو المعدل، ولا في فك الارتباط أو دسترته، أو العودة عنه، فكل هذه حلول وهمية للتهرب من المواجهة الحقيقية، نحو خطابات شعبوية لها فرسانها، وليس هناك ما هو اسهل من ركوب موجة الاقليمية أو الجهوية أو الطائفية، لمن يريد أن يصبح نجما في بيئة سياسية  فاسدة، ناهيك عن ان هذه الحلول تساعد على صرف الانتباه عن الخطر الصهيوني الحقيقي بل ربما يكون هذا الذي يجري جزءا من تحضيراته.

ان المسؤولية الوطنية والاخلاقية تتطلب العمل من أجل القضايا الملحة التالية:

1. مواجهة الهويات القاتلة عند الطرفين، بالتأكيد على ان للأردنيين والفلسطينين هوية واحدة هي الهوية العربية، التي تتحمل داخلها هذه الخصوصية او تلك.

2. ايا كان الموقف من فك الارتباط السياسي والاداري، فمن الخطورة بمكان الدعوة الى تعميمه على الاحزاب والنقابات وقوى المجتمع المدني المختلفة، فذلك جزء من آليات هدم المجتمع برمته الى جانب هدم الدولة.

3. في مواجهة ذلك فالمطلوب اعادة بناء حركة التحرر الوطني الاردني وحركة التحرر الوطني الفلسطيني التي تعيد توحيد الهوية الفلسطينية، وصيغة التمثيل الفلسطيني الموحد، وبناء جبهة موحدة اردنية – فلسطينية، ملتحمة مع معسكر المقاومة والممانعة على كافة الصعد، ذلك ان مواجهة (اسرائيل الكبرى) لا تتم بتمزيق القوى الشعبية العربية بل بتوحيدها.

4. كسر التبعية لمراكز رأس المال العالمي، واعادة بناء الدولة الاردنية لتصبح دولة منتجة ديموقراطية، دولة المواطنه، دولة جميع مواطنيها، دولة الحقوق المتساوية والواجبات المتساوية، دولة فصل السلطات، وفصل مصالح مؤسسات الدولة عن المصالح الخاصة للقائمين عليها.

5. في مواجهة أوهام التنافس والصراع على قانون الانتخابات وخلافه، وفي مواجهة صراع النخب الاقليمية التي خرجت من رحم قوى التبعية، الاردنية والفلسطينية، فالمطلوب هو اعادة الاعتبار لبرنامج التحرر الوطني من جهة، وللاقتصاد المنتج  الذي كان غيابه سببا في حرمان البلاد  من نخب حقيقية تحترم الاختلاف في اطار مشروع وطني ديموقراطي.

6. يجب التنبيه الى أن البرلمان القادم (البرلمان السياسي)، قد يعيد انتاج وظيفة برلمان الصوت الواحد، الذي أقر معاهدة وادي عربة عام 1994، بأقرار مشروع كونفدرالية الاراضي المقدسة (دولة اسرائيل وكيانين فلسطيني واردني)، وقد تكون وظيفة حرب البيانات هذه خلق البيئة الملائمة لولادة هذا المجلس النيابي.

“كلكم للوطن والوطن لكم”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s