السؤال الذي يشغل الأردنيين !!

السؤال الذي يشغل الأردنيين !!

من أين أنت؟ ..ليس دائماً سؤالاً محايداً أو فضولياً؟ تتعرض له كل يوم مرات عدة سواء كنت في بلدك (الأردن بخاصة، وربما في بلدان أخرى كثيرة) أو كنت مسافراً أو مغترباً، ولكنه في كثير من الأحيان وربما غالبيتها يحدد موقف السائل منك، بل وفرصك فيما تسعى أو تتطلع لتحقيقه، في كثير من الأحيان تدفع ثمن الإجابة غالياً، تحرم من فرص العمل والتأشيرة والقبول والاحترام والمعاملة بعدل ومساواة، وفي أحيان أخرى يكون المؤهل الأساسي للعمل والترقي والمرور والاحترام والتعالي.

وهناك سؤال آخر تلقائي عندما تجيب بأنك أردني، أردني أردني؟ ولا أردني فلسطيني؟ حتى سائق التاكسي الباكستاني في الخليج يسألك السؤال المتقدم عندما تجلس بجانبه أو حتى في المقعد الخلفي. لقد اعتدنا أن نجيب ببساطة في الخارج بأننا من بلدنا الذي نحمل جنسيته، ولكنك في بلدك تحتاج أن تفصح عن مدينتك أو عشيرتك أو كليهما، ولكنه سؤال يبدو أكثر تعقيداً مما يبدو، وتحتاج إجابته إلى تفكير طويل، ووعي للذات، صحيح، من أين أنا؟ السؤال هنا أصبح تاريخياً وفلسفياً،.. وعلمياً أيضاً، وجدت أخيراً أني لا أعرف، إن شعوري الحقيقي بالمكان ينتمي إلى بلدتي التي ولدت ونشأت فيها، ولكنها اليوم مهجورة تماماً، كنت في مرحلة من الزمن مصاباً بمرض الحنين إلى الوطن، وكنت أذهب بانتظام إلى أطلال القرية التي تحولت بيوتها إلى خرائب متداعية، وأمضي في صمت عميق، ولكن مشاعر الحنين نفسها تحولت إلى سلوك ومشاعر أكثر تعقيداً، كأن العالم وطني، ولكنه وطني الذي أريده ولا يريدني، وكأن الناس جميعاً إخوتي وعشيرتي، ولكنها عشيرة ترفضني، ليس من حقك أن تختار من وما تكون، وأنت ابتداء لا تعرف من تكون ومن أين جئت ولا إلى أين تمضي، كأنك قصة الكون نفسه تجمع من الغبار والسديم يمضي وراء السراب على نحو فوضوي، والواقع أنها إجابة أوحى بها أو ذكر بها غبار بركان آيسلندا.

ولا يسعفنا في السؤال سوى الجهل، ثم وجدت أني بحاجة لموالفة نفسي مع الجهل، فهو دليل أكثر صحة وجمالاً من دليل المعرفة، فما نعرفه لا يساوي شيئاً بالنسبة لما نعرفه، فلماذا لا نلجأ إلى ما لا نعرفه، ذلك المحيط الواسع بلا نهايات ولا حدود، بدلاً مما نعرفه، ذلك الشيء الضحل الضئيل، كأن العلم يقودنا إلى الجهل، كأن التقدم يقودنا إلى الخرافة، كأننا نرتقي بإدراكنا أننا لا نعرف، الأمر ليس كذلك، ولكن الفكرة عندما تحل في الكلمات تبدو هكذا لنراها أو ندركها، ثم نمضي في حروب أهلية تسعرها إجابة جاهلة لسؤال لا معنى له، من أين أنت؟ أليس هذا السؤال هو سبب النزاعات والحروب والانشقاقات، والتشكلات أيضاً والجماعات والأفكار والتيارات…

أردني، عربي، شمري، وهداني، آسيوي، أفريقي، هل تصفك واحدة من هذه الكلمات أو سواها عندما تجيب بها، من منا تصفه كلمة واحدة؟ ولكن هذه الكلمة في بلادنا اليوم تشكل أسرار المعارك والتقدم والفشل، طيب ماذا فعلت بنا الأيام والبلاد التي عشنا وتعلمنا فيها، ألم تمنحنا شيئاً يستحق/ نستحق أن ننتسب إليه؟ ألا تمنحنا التجارب والعلوم والأعمال صفة ننتسب إليها، إنك ترى اليوم كثيراً من الشباب العاملين في قناة الجزيرة ينتسبون إليها كما لو أنها عشيرة أو أيديولوجيا، هل سنسمع في يوم ما عن عشيرة بنك سبيرا أو بوركينا فاسو الوطني؟ أليس هناك اليوم لدينا نادي شركة ما تبيع الهواء المتشكل في موجات؟ كيف يتشكل جمهور المشجعين لهذا النادي؟ ومن هم منافسوه؟ هل هم مشجعو نادي الشركة التي تبيع الموجات المتشكلة من غير أسلاك؟ ولماذا نزعج أنفسنا بالسؤال ونحن مقسومون بين برشلونة وريال مدريد مثل أو أكثر مما نحن منقسمون عشائر وجهات وطوائف، من أين هم… مشجعو برشلونة والذين ولدوا ونشأوا في قرية كركمة؟

والواقع أن الأمر (من أين أنت؟) ليس كله ردة بدائـيـة وحروبـاً عـشائرية وجهـويـة بائسة ومضحكة حتى عندما يكون الاختلاف بين دور الدولة في الاقتصاد وتحرير الأسواق حرباً جغرافية وعشائرية، أو عندما ينتخب جمهور تقوم حياته ومصائره على تحسين التأمين الصحي الحكومية والدور الاجتماعي والرعائي للدولة مرشحاً يؤيد إلغاء مشروعات الدولة للتعليم والتأمين الصحي وتحويلها إلى سوق استثمارية مفتوحة حتى للأجانب، ينتخبـونه فقط لأنـهم يشتركون في البلدة التي ينـتسبون إليها والتي لا يعرفونها ولم يعرفها آباؤهم أيضاً، ولكنه يصلح سؤالاً لملاحظة الفسيفساء الثقافية والاجتماعية التي تشكلنا نحن، صحيح من أين نحن؟

في الأردن بخاصة، البلد المشغول بالسؤال تبدو المدن والمجتمعات تتغير وتتحول لدرجة أن الإجابة على السؤال (من أين أنت؟) تبدو أقرب إلى الاستحالة، فالمدن والمجتمعات لم يكد يتبقى منها شيء، من منا يعيش في البيت الذي ولد فيه؟ من يذهب إلى الطبيب أو يتذكره الذي كان يذهب إليه في طفولته؟ أو يأخذ أبناءه إليه، وماذا يربطنا بالأحياء التي نعيش فيها والمدارس التي كنا ندرس فيها، وما العلاقة بين الأحياء القائمة اليوم وما كانت عليه قبل سنوات قليلة؟ من أين هم الذين يقيمون اليوم في أحياء كانت قبل سنوات قليلة غابات أو حقول قمح أو مناطق مهجورة، ثمة أحياء تعني لابني اليوم عالماً من الصخب والمولات وما بعد الحداثة هي نفسها تعني لي رحلات ومخيمات كشفية، فهل هي إجابة واحدة لي عندما أجيب بأني من دير غبار او دابوق بالنسبة لمن هم في جيل أبنائي؟

عندما تطالع كتاب زيد حمزة المولود في الثلاثينات «بين الطب والسياسة» وتقرأ عن مدينتي إربد وعمان فإنك لا تعرف شيئاً مما يحدثك عنه، وعندما تنظر في تشكلات المدن والمجتمعات اليوم يبدو السؤال (من أين أنت؟) محيراً وصعباً وقاسياً، فما نشاهده اليوم ليس سوى تجمع من الدوائر الحكومية الهائلة والشركات الكبرى ولكن من غير ناس تقريباً، كأن الناس والمجتمعات ليسوا سوى تجمع من العمال وأسرهم لا يربطهم بالمكان شيء يذكر.

وحين تنظر في الانتخابات النيابية ونتائجها وتشكيلات الحكومات المتعاقبة تنتابك الحيرة والغموض في الفهم حول النخب الجديدة وتشكلاتها، إلى أين تمضي عمليات اختيار النواب والوزراء والقادة والمسؤولين في فوضى هذه التشكلات، وفي غياب المجتمعات عن التأثير وعدم قدرتها على التوازن مع الحكومات/ السلطات التنفيذية والشركات؟

ما زال يعيش معنا الجيل الذي نهض بالدولة الحديثة وأنشأ أجمل وأهم ما لدينا من مستشفيات وجامعات ومؤسسات ومرافق، ومرت به أحداث جسيمة وهائلة، من الحروب والنكبات والنكسات والأزمات والاغتيالات والصراعات الداخلية والإقليمية والعالمية، ولكنهم عبروا بالدولة والمجتمع من ذلك كله، وصار لدينا مدارس تستوعب جميع الطلاب، وجامعات أكثر مما نحتاج إليه، بل إن أزمتنا اليوم في التوسع العشوائي في التعليم، وصارت لدينا مؤسسات حكومية كبرى ومعقدة وشركات وتجارة واستثمارات تدير وتورد الخدمات والاحتياجات، ولكنا فقدنا المجتمعات التي كانت بحيويتها وقدراتها شريكاً كفؤاً للحكومة والقطاع الخاص، والتي أدارت استجابة واعية وناجحة مع التحولات، ونبدو اليوم وكأننا حكومات وشركات متطورة من غير مجتمعات!

عن الحياة اللندنية

ابراهيم الغرايبة 2010-05-20

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s