بيان الستين.. محاولة بشعة لتجميل الإقليمية

بيان الستين.. محاولة بشعة لتجميل الإقليمية

يوم الخامس من شهر كانون الأول من عام 1978 ، كتبت في زاوية ( 7 أيام ) في صحيفة الرأي مقالة بعنوان ( إننا نقتل الجياد أيضا ) وكان موضوعها المتقاعدين العسكريين وأوضاعهم المعيشية ، ومن المؤكد أن الألوية والعمداء والعقداء الذين تقاعدوا بعد خدمة طويلة ونبيلة في خندق الجيش العربي ، لا بد ويذكرون تلك المقالة وكيف كانوا يتحدثون عنها كلما التقى بهم قائدهم الراحل المغفور له جلالة الحسين ، وبعد نشرها بفترة قصيرة أصدر رحمه الله تعليماته بتعديل واسع وشامل على معاشات المتقاعدين العسكريين ، ثم تواصلت التعديلات لان ابسط حقوق جنودنا وضباطنا أن ينالوا حقوقهم الأساسية في وطن نذروا أنفسهم للاستشهاد من اجله ، لا طلبا لمال ولا سعيا لمنصب ولا بحثا عن جاه وإنما طلبا لمرضاة الله ومرضاة الوطن ومرضاة الشعب ودفاعا عن بقعة مقدسة من هذا العالم ، ينتسبون إليها ويعتزون بها ويقاتلون كل عدو دفاعا عنها ، وكانت تلك المقالة بداية لسلسلة من المقالات اعتز أنني كتبتها دفاعا عن مؤسستنا العسكرية ، قمة جبالنا وخصوبة سهولنا وماء أرضننا ووجوهنا وتستحق منا ما هو أكثر من الاعزاز والاعتزاز واكبر من كل تقدير وتقييم.

وأمام بيان الستين الذي أصدره عسكريون متقاعدون أجد من واجبي أن أبدا الحديث بتوجيه التحية التي لا اكبر منها سوى الوطن لكل جندي وضابط صف وضابط ، من لم يزل في خندقنا العربي الأردني أو غادره بعد تلك الخدمة الطويلة والنبيلة والخطيرة في قواتنا المسلحة الباسلة ، ظلوا خلال كل نهاراتها ولياليها مشاريع شهداء يطلبون جنة الله لا متاع الدنيا وزفرها ومناصبها وألقابها ، فكلمة شهيد على نصب قبر هي الأكثر قداسة من كلمة دولة أو معالي أو عطوفة ، هؤلاء المتقاعدون العسكريون ، رحم الله من قضى منهم وأمد الله في أعمار من ما يزالون بيننا يمثلون معالم الطريق ، كسا الشيب رؤوسهم ووجوههم ، دون أن تنحني رأس واحدة أو يقترب سواد من وجه ، وما زالوا مستعدين للدفاع عن عشب الوطن وعن شوكة وعن مدن الوطن وعن قراه ، وعن شوارعه وأزقته وعن خبزه وملحه وبصله وطوابينه ، ازدادوا باللقمة انتماء له وازدادوا بالجوع التصاقا به ، وكانت لهم وما تزال هيبة الجند الذين عاهدوا الله وما خذلوه وعاهدوا الوطن ولم يديروا ظهرا له ، لهذا كله جرحني بيان الستين متقاعدا ، لأننا وان نتفق مع كل أمر فيه عشقا لوطننا وخدمة لشعبنا ، نختلف معهم في الكثير مما ورد فيه من إساءة للوطن ووحدته وقيادته ومواطنيه ، وهنا أود أن أقول أن هناك ألف سبب وسببا للتعبير عن محبتنا لوطننا وحرصنا على أهله وقيادته وتميزه وسيادة العدل والمساواة في كل زاوية منه ، وهذه الأسباب تبدأ بأجملها وهو عشق الآباء والأمهات للأبناء وتنتهي باسوأها وابشعها وهو عشق الدببة لأصحابها ، والحكاية معروفة عندما يحمل الدب حجرا كبيرا يطرد به ذبابة عن وجه صاحبه فيهشم وجهه ورأسه وتطير الذبابة دون أن يمسها أذى .

لا احد سوى الله يستطيع أن يحاسب الناس على نواياهم ، لأنه وحده العليم بها ، ومن هنا فإنني لا أستطيع ان أوجه اتهاما عن أسباب إصدار البيان – الخطيئة – ولا أن ادعي كما يزعم البعض انه محاولة لابتزاز المسؤولين من اجل منصب أو امتياز ، لثقتي بان من نذر شبابه للوطن ومارس استعداده للاستشهاد من اجله لا يعقل أن يختتم تقدمه في السن وشيخوخته في العمل طالبا للقب معالي أو لقب عطوفة أو لقب سعادة ، واعترف أنني بحثت عن نفس وطني في البيان يؤكد صدق موقعيه وغيرتهم على وطنهم فلم أجد سوى النفس الإقليمي المدان والدعوة إلى الفتنه والسعي إلى ضرب الوحدة الوطنية التي هي العمود الفقري للوطن ولكل وطن آخر ، ولا اعتقد أنهم نسوا كلمات الحسين العظيم التي كررها مرة بعد أخرى ( عدو الوحدة الوطنية عدوي إلى يوم القيامة ) وفات هؤلاء الستين حقيقة لا ينكرها سوى جاهل أو ساذج وهي أن كل مواد التجميل في العالم لا تستطيع تجميل الإقليمية وتظهرها بمظهر الوطنية ، وكأن الذين صاغوا البيان على ما جاء عليه أعلنوا دون أن يدروا أن النوايا لم تكن إسلامية أو مسيحية أو عربية أو أردنية ، ولكنها مجرد نوايا ستين موقعا على البيان لا يمثلون أكثر من مائة وأربعين ألف متقاعد عسكري لم يفوضوهم بإصدار البيان ولا بإعلانه باسم هؤلاء العسكريين الغائبين عن إجماع الموقر.

نعرف جميعا أن المتقاعد العسكري يختلف تماما عن المتقاعد المدني ، فتقاعد العسكري يعني أمرا واحدا هو تخليه عن لباسه العسكري وبقاءه أمام مسؤولياته والتزاماته وما تربى عليه من ضبط وربط ، يلزمانه بالبقاء حتى آخر دقيقة من العمر وفيا لجيشه العربي وملتزما بكل أوامره ونواهيه ، ولو أن هؤلاء الستين الموقعين على بيانهم فكروا نصف مرة وليس عشر مرات ، وعدوا حتى الرقم اثنين وليس حتى الرقم عشرة ، لأدركوا بسهولة أنهم بما قالوه سعوا لانقلاب فاشل – والحمد لله – على وطنهم وقيادتهم ووحدة شعبهم وحتى تاريخهم وشرفهم العسكريين ، ولا اخفي أنني أحسست بأنهم كانون ضحية خداع مارسه عليهم مسؤولون سابقون وحاليون ممن يتصدرون المشهد الإقليمي وينظرون للإقليمية البغيضة ويدعون إلى طرد نصف الأردنيين من وطنهم ، وكأن القوانين الأردنية والقوانين الدولية و القوانين الأخلاقية والقوانين الإنسانية تسمح بمجزرة على هذه الدرجة من الحقد والبشاعة والرخص .

إن الكلام الإقليمي الذي غص به البيان يدفعنا إلى طرح تساؤلات كثيرة ، وهنا أشير وبكل وضوح ، لان الصمت أمام هذا البيان الخطيئة هو مشاركة في الجريمة ، ففي دعوة الستين إلى نفير عام كان البند الأول من الجزء الثاني من أهداف هؤلاء جاء بالحرف الواحد يقول : التأكيد على أن الدستور الأردني لا يمنح أيا كان ، وكائنا من كان أية سلطات إلا لجلالة الملك من دون شراكة احد بغض النظر عن صلة القرابة أو اللقب ) هذا الكلام الذي يفتقد للعقلانية وللمسؤولية ويعبر بوضوح عن عدم احترام للقائد والقيادة لا يختلف في أسلوبه ومضمونه عن تلك الهتافات الرخيصة التي كان يطلقها جهلة وفاسدون في الملاعب الرياضية ، ولا أجد حرجا من إيرادها مع معرفتي أن الستين موقعا على البيان كانت أمامهم وهم يقدمون هذه المطالبة في البيان -الخطيئة ، لقد كان أولئك الجهلة يهتفون ضد جلالة الملكة رانيا ويتوجهون بكلامهم إلى جلالة الملك – حفظه الله – قائلين ( واحد اثنين … واحد اثنين… طلقها يا أبو حسين ) ولم يكن في رؤوسهم من سبب للهتاف بهكذا هتاف سوى أن جلالتها تنحدر من اصل فلسطيني ، فهل بلغت التفاهة والأحقاد والإقليمية والتآمر على وحدة الشعب هذا الحد من العبث بأغلى وأنبل ما لدينا وهو وحدتنا الوطنية والأسرة الأردنية الواحدة ، والأردنيون من شتى المنابت والأصول .

( التلفزيون الأردني في ظل أدارته الجديدة استبدل تعبير الأسرة الأردنية الواحدة بتعبير الأسرة الأردنية الكبيرة لان التعبير الأول والذي أطلقه جلالة المغفور له كان يشير إلى وحدة الشعبين الأردني والفلسطيني ) .

ومسألة أخرى حاول الإقليميون ويحاولون تثبيتها في أذهان المواطنين وهي تتعلق بالحديث عن ( قرار ) فك الارتباط ، إذ ليس هناك أي قرار يتعلق بفك الارتباط ، وخطاب المغفور له مجرد خطاب سياسي لا يلغي الدستور الأردني ومقتضياته ومواده ، لقد أصدر الكيان الصهيوني تعديلا على قرار سابق له ويحمل الرقم 1650 وتوقيع القائد العسكري الصهيوني للضفة الغربية ، ويستهدف طرد الفلسطينيين من وطنهم ، والإقليميون عندنا لم يصدروا قرارا ، ولم يقرر مجلس النواب الأردني قانوناً للانفصال عن الضفة الغربية ، ولم تصدر إرادة ملكية بالتصديق على هكذا قانون لم يصدر ، ومن هنا يبدو التشابه بين الصهاينة والإقليميين الأردنيين في طرد الفلسطينيين من أرضهم وطرد الأردنيين المنحدرين من فلسطين من أرضهم مع فارق أن لديهم قرارا يحمل رقما ويحمل توقيعا ونحن لدينا تعليمات شفوية يقوم على تنفيذها وتفسيرها وتغييرها موظفون يتلقون الأمر وينفذون دون أن تتحرك الدولة لوقف هذه المأساة المخجلة بالنسبة لكل أردني يعتز بانتمائه القومي ، فيا أيها الشعب الفلسطيني العظيم المقاتل المقاوم المجاهد أين المفر العدو الصهيوني وراءكم والإقليميون الأردنيون أمامكم ولكن الوطن الواحد هو الذي سينتصر على كل أعدائه .

ولا يتردد الستون موقعا على البيان – الخطيئة عن التشكيك في أردنية ووطنية رجال خدموا الوطن وخدموا القيادة ولهم في تاريخنا صفحات مشرقة . ومع هذا يرى البيان أنهم لا يستحقون تولى مسؤوليات في بلدنا وحسبي أن أشير إلى دولة الأخ طاهر المصري رئيس مجلس الأعيان ودولة الأخ سمير الرفاعي رئيس الوزراء ومعالي الأستاذ راتب الوزني رئيس السلطة القضائية ، إن التشكيك في اردنيتهم وفي وطنيتهم أمر يعيب المشككين الذين أعماهم الحقد والبحث عن الامتيازات عن رؤية الحقائق التي يراها كل ذي بصر وبصيرة .

لقد طلب جلالة الملك منا التوقف عن الحديث في الوطن البديل ، ومع هذا فان الإقليمين الأردنيين يتوهمون أن مواصلة الحديث عن هذا الموضوع هو شهادة لهم على وطنيتهم وإخلاصهم لبلدهم الذي بمجرد التفكير بتقسيم الناس نكسر ظهره ونكسر أحلامه ونكسر استقراره ونكسر حتى وجوده ، فالأوطان تكون بشعوبها وليس بترابها وبنيانها ، ومع أن قوانيننا تحدد عقوبات على من يدعون إلى فتنه طائفية أو فتنه إقليمية ، فان مجرد سكوت الحكومات على النفر الذي يقف وراء إثارة الفتنة يمثل إدانة لها ويستوجب محاسبتها بقسوة .

اعرف أن الستين موقعا على البيان مواطنون أردنيون ، ولكن المواطنة ليست مجرد جواز سفر ودفتر عائلة ورقم وطني ، إنها التزام تام بتحمل المسؤولية وبالانتماء الشجاع المبارك والبرئ من أي حس طائفي أو إقليمي أو جهوي ، ولأنه لا يجوز الاكتفاء بإهمال البيان وإهمال الموقعين فإنني ادعو إلى محاسبة كل عابث بأمن الأردن ووحدته واستقراره ، لان هؤلاء العابثين هم الإرهابيون الحقيقيون الذين يجب أن نواجههم داخل البيت وليس بعيدا عنه ، وبيان الستين بكل الذكاء المحدود أو غير المحدود قدم أصحابه لنا بوجوههم الحقيقية وتوجهاتهم الحقيقية وأهدافهم الحقيقية وصلفهم في تحدي الوطن ، فالوطن ليس حكومة ووزراء ومسؤولين ولكنه وحدة وانتماء وشجاعة ومواجهة ، ولو لا قدر الله اتيح لهؤلاء تحقيق أوهامهم ب ( تطهير ) الأردن من مواطنيه المنحدرين من اصل فلسطيني وأقمنا وإياهم وحدة حققت المعجزات على تراب بلدنا ، فسيواصلون عملهم بطرد الشركس ثم الشيشان ثم الدروز ثم الذين يعيشون بيننا مواطنين مثلنا قدموا من سوريا ولبنان أو المغرب العربي والسعودية وغيرها وغيرها ، لخرجوا يطالبون بطرد الهاشميين باعتبارهم حجازيين ، وهذا الكلام الذي اكتبه هنا قلته بين يدي جلالة المغفور له وأمام رئيس وزراء ورئيس ديوان ملكي ومسؤولين كبار ورؤساء تحرير صحف إذ عندما يكون الوطن في خطر فلا يجوز الامتناع عن قول ما يجب أن يقال والا ارتكبت خيانة الصمت .

مؤخرا كتب احد منظري الإقليمية في بلدنا مؤكدا أن الأردنيين في الأردن هم المسيحيون والبدو فقط ، أما باقي المواطنين فقد جاءوا إلى الأردن بمن فيهم كاتب هذه السطور الذي حارب أجداده في معركة مؤته ومن المؤكد أنه أردني وليس فلسطينيا أو ايطاليا أو اسبانياً ، ولا ادري متى سيأتي يوم يطاردني فيه هذا الإقليمي في أردنيتي كما يطاردني الآن في عروبتي .

ودعاء لله سبحانه وتعالى ( اللهم احفظ لي لساني كما حفظت لابن عمي موفق محادين لسانه انك سميع مجيب ) .

خالد محادين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s