أرشيف

Archive for the ‘وحدة الدم الأردنية -الفلسطينية’ Category

يوم التحم الدم الأردني والفلسطيني وهزم الغزاة

مايو 11, 2010 أضف تعليقاً

ذكرى42 لمعركة الكرامة..


يوم التحم الدم الأردني والفلسطيني وهزم الغزاة

الملك حسين فوق دبابة إسرائيلية

احتفل الأردنيون والفلسطينيون بالذكرى الثانية والأربعين لمعركة الكرامة الخالدة ، ففي 21 مارس/ آذار 1968 استبشرت الأمة من بحرها إلى خليجها بانتهاء عصر الهزائم مع العدو الصهيوني في صبيحة ذاك اليوم انطلقت الزغاريد وانتفضت الجماهير والأمهات من لحظات اليأس القاتلة إلى مد تعلو فيه أصوات الثأر لهزيمة عربية ، هزيمة جيوش في حرب الأيام الستة كما سماها العدو الصهيوني.معركة الكرامة بانتصاراتها التي أدهشت العدو قبل الصديق والتي سطر فيها الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية  بطولات عربية  فأذاقوا العدو طعم الهزيمة المر،  ليسجل التاريخ ما اعتبر أول نصر عربي على الجيش الإحتلال الإسرائيلي.

الأردن يحي “الكرامة”

حيث رعى العاهل الأردني عبد الله الثاني في موقع الصرح التذكاري لشهداء معركة الكرامة الإحتفال الذي أقامته القوات المسلحة الأردنية بالمناسبة .

ووضع الملك بهذه المناسبة إكليلا من الزهور على الصرح التذكاري لشهداء معركة الكرامة، وقرأ الملك والحضور الفاتحة على ارواح الشهداء في حين عزف الصداحون لحن الرجوع الاخير.

واستعرض الملك اسماء الشهداء واعلام التشكيلات والوحدات التي شاركت في معركة الكرامة الخالدة وبعد ذلك توجه القائد الاعلى الى المعرض الذي اقامته مديرية التوجيه المعنوي وشاهد الملك والحضور فيلما وثائقيا يتحدث عن معركة الكرامة وبطولات وتضحيات بواسل الجيش العربي في المعركة.

معركة الكرامة

ياسر عرفات يتفقد المقاتلين الفلسطينيين بعد المعركة

وحقق الجيش الأردني بالتعاون مع وحدات الفدائيين الفلسطينيين يوم 21 مارس/ آذار 1968 أول انتصار عربي على إسرائيل، بعد تسعة أشهر فقط من هزيمة الجيوش العربية في يونيو/ حزيران 1967 وخسارة الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان. وقعت معركة الكرامة في ، حين حاولت قوات الجيش الإسرائيلي احتلال الضفة الشرقية من نهر الأردن لأسباب تعتبرها إسرائيل إستراتيجية، وقد عبرت النهر فعلاً من عدة محاور مع عمليات تجسير وتحت غطاء جوي كثيف، فتصدت لها قوات الجيش الأردني ووحدات من المقاتلين الفلسطينيين على طول جبهة القتال من أقصى شمال الأردن إلى جنوب البحر الميت بقوة.

وفي قرية الكرامة التحمت الجيش العربي بمساعدة الفدائيين وسكان تلك المنطقة، في قتال شرس بالسلاح الأبيض مع الجيش الإسرائيلي في في عملية استمرت قرابة الخمسين دقيقة.

واستمرت المعركة أكثر من 16ساعة، مما اضطر الإسرائيليين إلى الانسحاب الكامل من أرض المعركة تاركين وراءهم ولأول مرة خسائرهم وقتلاهم دون أن يتمكنوا من سحبها معهم.

وتمكن الجيش الأردني في هذه المعركة من تحقيق النصر والحيلولة من تحقيق إسرائيل لأهدافها.

تاريخ المنطقة

نصب الجندي الأردني تخليدا لذكرى الكرامة

وجرت أحداث معركة الكرامة في منطقة غور الأردن على الضفة الشرقية من النهر المقدس فقد امتدت ساحة المعركة من أقصى شمال الأردن إلى جنوب البحر الميت.وتاريخ المنطقة من تاريخ الأردن ضارب في القدم فقد مرت عليها ممالك كثيرة كالأدومية والمؤابية والعمونية والآرامية والأشورية ومملكة الأنباط واليونانية والفارسية والرومانية والبيزنطية حتى جاء الفتح الإسلامي فعلى أرضها الكثير من مقامات الصحابة منهم أبو عبيدة عامر بن الجراح وضرار بن الأزور وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل وغيرهم.

وقد جاء في القران الكريم ((غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأَرْضِ)) والمقصود انتصار الفرس على الروم في هذه المنطقة التي تعد أدنى بقعة على سطح الأرض، والغور عبارة عن منطقة زراعية اشتهرت ببساتينها الكبيرة وخضرتها الدائمة وكانت تسمى بمنطقة الآبار وذلك لكثرة الآبار الارتوازية فيها، وتسمى أيضا بغور الكبد باعتبارها جزءا من منطقة زراعية واسعة وتعتبر هذه المنطقة سلة الغذاء الأردني ويعتمد 95% من سكان المنطقة على الزراعة، وكان للملك عبد الله الأول قصر صغير في تلك المنطقة يجتمع فيه مع رجالات المنطقة لبحث أوضاعهم، وبعد نكبة 1948 استقبل الأردنيون اللاجئين الفلسطينيين للأردن حيث استقر عدد منهم في البداية في هذه المنطقة.

بداية التوتر

قبيل احتلال إسرائيل لضفة غربية من نهر الأردن والتي كانت خاضعة لإدارة المملكة الأردنية الهاشمية بعد حرب 1948 التي حافظ فيها الجيش العربي الأردني على كامل الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف، وما ترتب عليها بعد ذلك من مؤتمرات على غرار مؤتمر أريحا الذي طالبت بموجبه زعامات فلسطينية بوحدة الضفة الغربية مع المملكة الأردنية الهاشمية، التزم الأردن باحتضان المقاومة التي نتجت بعد حرب يونيو /حزيران.

ونتج عن هذا الاحتلال الإسرائيلي تحرير هذه المقاومة في الضفة الشرقية إلا أن الهجمات المنظمة للفدائيين تنسيق  أدي إلى صدامات عسكرية متكررة بين الجيش الأردني والإسرائيلي على طول نهر الأردن، فقد وقع ما يزيد عن أربعة وأربعين اشتباكاً بالمدفعية والقصف الجوي والدبابات والأسلحة المختلفة منذ 5 حزيران 1967 حتى معركة الكرامة.

وفي مطلع سنة 1968 صدرت عدة تصريحات رسمية عن إسرائيل تعلن أنه إذا استمرت نشاطات الفدائيين عبر النهر فإنها ستقرر إجراء عمل مضاد مناسب، وبناءا عليه زاد نشاط الدوريات الإسرائيلية في الفترة ما بين 15-18 مارس 1968 بين جسر الملك حسين وجسر داميا وازدادت أيضا الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق وادي الأردن.

أهداف المعركة

نصب الجندي الأردني تخليدا لذكرى معركة الكرامة نصب الجندي الأردني تخليدا لذكرى معركة الكرامة تمهيدا للهجوم الواسع، قامت إسرائيل بهجمات عديدة ومركزة استخدمت بشكل رئيسي القصف الجوي والمدفعي على طول الجبهة الأردنية طوال أسابيع عديدة سبقت بداية المعركة في 5:25 من فجر يوم الأحد في 21 مارس/آذار 1968.

كما مهدت لذلك بإجراءات واسعة النطاق في المجالات النفسية والسياسية والعسكرية عمدت بواسطتها إلى تهييء المنطقة لتطورات جديدة يتوقعونها كنتائج لعملياته العسكرية شرقي نهر الأردن.

ورغم أن إسرائيل أعلنت أنها قامت بالهجوم لتدمير قوة المقاومة الفلسطينية، إلا أن الهدف لم يكن كذلك كما تبين من الوثائق التي حصلت عليها المخابرات الأردنية، فقبل أيام من معركة الكرامة حشدت إسرائيل قواتها لاحتلال مرتفعات البلقاء والاقتراب من العاصمة عمّان وضم أجزاء جديدة من الأردن وتحويلها إلى جولان أخرى لتحقيق الأهداف التي تتلخص فيما يلي:

1. نصب الجندي الأردني تخليدا لذكرى معركة الكرامةنصب الجندي الأردني تخليدا لذكرى معركة الكرامة. التخلص من الهجمات المستمرة التي كان يقوم بها الفلسطينيون بما يشبه حرب استنزاف على تلك الحدود الطويلة والصعبة التغطية.

2. إرغام الأردن على قبول التسوية والسلام الذي تفرضه إسرائيل وبالشروط التي تراها وكما تفرضها من مركز القوة.

3. محاولة وضع ولو موطئ قدم على أرض شرقي نهر الأردن باحتلال مرتفعات السلط وتحويلها إلى حزام أمنى لإسرائيل تماما كما حدث بعد ذلك في جنوب لبنان. بقصد المساومة عليه لتحقيق أهدافها وتوسيع حدودها.

4. ضمان الأمن والهدوء على خط وقف إطلاق النار مع الأردن.

5. تحطيم القيادة الأردنية وتوجيه ضربات قوية ومؤثرة إلى القوات الأردنية.

6. زعزعة الروح المعنوية والصمود عند السكان المدنيين وإرغامهم على النزوح من أراضيهم ليشكلوا أعباء جديدة وحرمان المقاومة من وجود قواعد لها بين السكان وبالتالي المحافظة على الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي بعد المكاسب التي حققها على الجبهات العربية في يونيو/ حزيران 1967م.

نتائج المعركة

انتهت المعركة وفشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أي من الأهداف التي قام بهذه العملية العسكرية من أجلها وعلى جميع المقتربات وأثبت العسكري الأردني قدرته على تجاوز الأزمات السياسية، وقدرته على الثبات وإبقاء روح قتالية عالية وتصميم وإرادة على تحقيق النصر.

وقد أثبتت الوثائق التي تركها القادة الإسرائيليين في ساحة القتال أن هذه العملية تهدف إلى احتلال المرتفعات الشرقية لوادي الأردن وأنه تمت دعوة الصحفيين لتناول طعام الغداء فيها .

اسباب الانتصار

الإعداد المعنوي: فقد جسدت هذه المعركة أهمية الإعداد المعنوي للجيش، فمعنويات الجيش العربي كانت في أوجها، خصوصاً وأن جميع أفراده كانوا تواقين لمسح سمة الهزيمة في حرب 1967 التي لم تسنح لكثيرين منهم فرصة القتال فيها.

الاستخبارات العسكرية: أبرزت المعركة حسن التخطيط والتحضير والتنفيذ الجيد لدى الجيش العربي، مثلما أبرزت أهمية الاستخبارات إذ لم ينجح الإسرائيليون تحقيق عنصر المفاجأة، نظراً لقوة الاستخبارات العسكرية الأردنية والتي كانت تراقب الموقف عن كثب وتبعث بالتقارير لذوي الاختصاص أولا بأول حيث توقعوا الاعتداء الإسرائيلي وحجمه مما أعطى فرصة للاستعدد الصحيح.

الغطاء الجوي: برزت أهمية الاستخدام الصحيح للأرض حيث أجاد جنود الجيش العربي الأردني الاستخدام الجيد لطبيعة المنطقة وحسب السلاح الذي يجب أن يستخدم وإمكانية التحصين والتستر الجيدين، بعكس الجيش الإسرائيلي الذي هاجم بشكل كثيف دون معرفة بطبيعة المنطقة معتمدا على غطائه الجوي.

كما أن التخطيط السليم والتنسيق التام بين جميع وحدات الجيش وأسلحته المختلفة والالتحام المباشر عطلا تماما ميزة الغطاء الجوي الإسرائيلي.

خسائر الطرفين

خسائر القوات الإسرائيلية : قتل من الأسرائليين 250 جنديا وجرح 450 في اقل من 15 ساعة، تدمير 88 آلية وهي عبارة عن 27 دبابة و 18 ناقلة و 24 سيارة مسلحة و 19 سيارة شحن وسقوط طائرة .

وقد عرض الأردن معظم هذه الخسائر الإسرائيلية أمام الملأ في الساحة الهاشمية.

خسائر القوات المسلحة الأردنية : عدد الشهداء 87 جندياً،عدد الجرحى 108 جريحاً، تدمير 13 دبابة، تدمير 39 آلية مختلفة  .

معركة وادي التفاح الخالدة في نابلس تجسيد لوحدة الدم الأردنية -الفلسطينية

مايو 11, 2010 أضف تعليقاً

معركة وادي التفاح الخالدة في نابلس تجسيد لوحدة الدم الأردنية -الفلسطينية

كان الأردن وفلسطين.. كل فلسطين، المكون الأغلى من مكونات الإيمان القومي في فكر الراحل، أبدا ما رسم خطا بينهما وما أعتقد أن هناك مسافة تفصل أيهما عن الآخر، نجد هذا مجسدا في ما رواه من تفاصيل “معركة وادي التفاح” التي نشرتها “الرأي” بمناسبة مرور 34 عاما على حرب حزيران 1967 ننقلها إلى آخر هذا الكتاب لتكون شاهدا يقف إلى جانب شاهد الضريح المنصوب على قبر الشهداء في مدينة نابلس.

كان يوم لا يمكن له أن ينسى، مكانه منطقة وادي التفاح غرب مدينة نابلس عاصمة جبل النار والزمان الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء السابع من حزيران عام 1967 اليوم الثالث لحرب الأيام الستة.
في مثل هذا اليوم قبل أربعة وثلاثين عاما وقعت المعركة بل الملحمة البطولية الخالدة التي لا يمكن للشعب الفلسطيني أن ينساها لا سيما النابلسيون الذين وصلوا إلى أرض المعركة وأسرعوا ببناء ضريح لشهدائها الأبرار.
إنها قصة رائعة كتبت بالدم وكان الاستبسال وكان الصمود أسطوريا، دبابة واحدة يقودها بطل من أبناء هذه الأمة الإسلامية العربية هو الشهيد المقدم صالح عبدالله شويعر من بني شمر الضابط المتميز في الجيش العربي الأردني الذي لم يكن أحد يعرف اسمه وقد أطلق عليه النابلسيون اسم الشهيد أبوهاشم، من أين جاءت هذه التسمية؟ لا أدري.. إنه أبوعلي أب لثلاثة أطفال علي وناصر وفايز وقد ابلغني بعد سنوات من المعركة المشير فتحي أبوطالب بمعلومة لم نكن نعرفها إضافة إلى اسم الشهيد وكنيته وعن ثلاثة شهداء آخرين خاضوا معه المعركة وكتبت لهم الشهادة.
الملازم أول سليمان عطية سليم الشخانبة وكان قد تزوج قبل ثلاثة أشهر فقط من موعد المعركة ورزقه الله بعد ستهة أشهر وهو في جنات الخلد بابنة أسموها أمل والرقيب أول صياح فياض عواد الفقراء مأمور الإشارة والإتصال، والجندي أول راشد نمر العظامات سائق المدرعة الأردنية التي تصدت وحدها لرتل من مدرعات العدو الصهيوني التي حاولت اقتحام المدينة واحتلالها من الناحية الغربية.
بدأت المعركة في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء في السابع من حزيران عام 1967 واستمرت لأكثر من ثلاث ساعات، وانتقلت من منزلي مع أسرتي الصغيرة إلى منزل خالتي الشاعرة فدوى طوقان بناء على رغبتها وكان قريبا ومطلا على ساحة المعركة كنا نسمع ولا نرى، نسمع دوي القنابل ولا نرى ما يحدث وإن كنا قد حددنا الموقع تماما وأيضا إن مواجهة بالمدافع قد بدأت، بعد الساعة الخامسة شاهدنا طائرتين حربيتين تغيران على الموقع جاءتا من ناحية الغرب وانقضتا على الموقع عدة مرات واستمرت هذه الغارة الجوية نصف ساعة بعدها توقف القصف المدفعي تماما وعادت الطائرتان من حيث أتيتا ونحن كما ذكرت نسمع دويا ضخما ولا نرى شيئا مما كان يجري. علمنا بعد ذلك شيئا من تفاصيل تلك المعركة من اخواننا وأهلنا فلسطينيي عام 1948 ما خلال ما قرأوه في الصحف العبرية وما سمعوه من راديو العدو. حدثني الصديق الشاعر عصام العباسي الذي صمد مع أسرته في مدينة حيفا ولم يتركوها في أول زيارة له لمدينة نابلس فقال إن جيش الاحتلال الصهيوني دخل مدينة نابلس في الساعة الثانية عشرة بلواء مدرع من بوابة نابلس الشرقية عن طريق وادي الباذان قادما من مدينة بيسان وكان من المقرر أن يلتقي بلواء مدرع آخر يدخل نابلس من بوابتها الغربية وكانت المدرعات قد خرجت من بلدة الخضيرة. إلا أن معركة وادي التفاح والمقاومة الأسطورية كما وصفتها الصحف والاذاعات العبرية حالت دون ذلك ولم تتمكن المدرعات الغازية وبمساعدة الطيران أن تدخل المدينة إلا عند الساعة السابعة مساء، بعد ذلك بدت المدينة حزينة كئيبة وهي تغط في ظلام دامس فلا انارة شوارع ولا حركة في البيوت، قلوب مظلمة ومنكسرة والناس في كرب عظيم ولم ينم أحد في المدينة طوال الليل سوى أطفالها.

في أبشع صباح وكان صبيحة يوم الخميس الثامن من حزيران وعند الساعة السابعة وصلت إحدى سيارات الاطفاء التابعة لبلدية نابلس بلونها الأحمر وقد رفع عليها علم أبيض واتجهت نحوها مسرعا لأرى زميلين من أعضاء المجلس البلدي بداخلها لتأخذنا إلى دار البلدية وسط المدينة.
رأيت ما لم أكن أتوقع أن أراه في حياتي جنود وضباط وسيارات “جيب” تنبعث منها أصوات أجهزة الاتصال ومدرعات منتشرة أمام مداخل البلدة القديمة وعلى مفارق الشوارع، رأينا المجندات اليهوديات وهن أشبه بالعاهرات من حيث اللباس والتصرفات وكان ذلك أمرا مقصودا من أجل تحطيم روحنا المعنوية واحباطنا وادخال اليأس القاتل إلى نفوسنا!!

دخلنا دار البلدية واتجهنا نحو قاعة الاجتماعات، كان رئيس البلدية المرحوم حمدي كنعان موجودا ومعه عدد من أعضاء المجلس البلدي وأخبرنا أن الضابط الصهيوني الذي احتل المدينة في طريقه إلينا، وبالفعل دخل علينا وبدون اتفاق مسبق لم ينهض أي واحد منا من مقعده ولم يصافحه أحد منا، شعر هو بذلك وحاول أن يكون لطيفا ومهذبا وقال ما معناه باللغة العبرية وترجم الى العربية على الفور: وقع ما وقع وعليكم أن تتعاملوا مع هذا الواقع الجديد خدمة للمدينة والسكان، أطلب نقل الموتى ودفنهم حالا وأكثريتهم عند مداخل المدينة غربا وشرقا واعادة التيار الكهربائي حتى تتمكن مضخات الماء من العمل، استدعوا كبار الموظفين وجميع المهندسين والفنيين وقسم الصحة وسأعطيهم التصاريح اللازمة، ورأيناه يوجه كلامه إلينا ويقول: أريد أن أقول لكم شيئا لا علاقة لكم به، يوم امس غرب المدينة وعند الظهر تعرضت قواتنا لمقاومة غير عادية، مدرعة للجيش الأردني تصدت لنا وقاتلت بشراسة في النهاية تمكنا منها ودمرناها وقتل قائدها، احترمه جنودنا فأعدوا له قبرا دفن فيه بعد أن أدى جنودنا له التحية العسكرية، هذا الكلام أشعرنا أنه قد شد من أزرنا ورفع من معنوياتنا المحطمة وطلبنا زيارة الموقع وتم ذلك، وصلنا موقع الضريح وقرأنا الفاتحة ووضعنا من حوله بعض الأحجار لتحديد مكانه وبعد ذلك تم بناء ضريح على عجل من الاسمنت وبعد أن وضع أحد مهندسي البلدية ماهر الحنبلي تصميما لاقامة نصب تذكاري في الموقع وبدأنا بالعمل، أخطر الحاكم العسكري البلدية أن وزير الحرب موشيه ديان يرفض ذلك وتوقف العمل بأمر عسكري احتلالي.

ضريح شهداء معركة وادي التفاح أصبح معلما استشهاديا ووطنيا كبيرا في مدينة نابلس والأطفال الصغار يستمعون بلهفة إلى الكبار وهم يحدثونهم عنه والجميع وضعوا الضريح بقلوبهم وفوق رؤوسهم ويعتبرونه أمانة غالية في أعناقهم وإلى الأبد.

حينما كنت أشغل منصب رئيس بلدية نابلس لاحظت أن الضريح بدأ يتآكل وأصبح في وضع لا يليق بمقام الشهداء قررت أن نقيم ضريحا واستبدال الاسمنت بالحجر ووضع أسماء الشهداء بشكل بارز وكان ذلك بالذكرى العشرين في شهر حزيران من العام 1987. وأرى أن من واجبي أن أذكر أن مشيد الضريح رفض أن يتقاضى فلسا واحدا وقال “ثوابي عند الله والشرف الذي نلته من القيام بهذا العمل أكبر من مال الدنيا بأسرها”.

وفي الذكرى الحادية والثلاثين للسابع من حزيران عام 1998 أحيت مدينة نابلس هذه الذكرى في موقع الضريح وتم تصوير الحفل التأبيني على “فيديو كاسيت” وأخذت الصور التذكارية وكان العديد من رجالات المدينة وشبابها يشاركون في هذه التظاهرة التي أكدت على وحدة الدم والنضال وأن الشعبين الأردني والفلسطيني أبناء عائلة واحدة وقلت في كلمتي إنها وحدة الدم التي لا يمكن لأحد أن يعبث بها أو ينال منها، في معركة الكرامة استشهد ابن نابلس البار تيسير هواش وجبلت دماؤه بتراب السلط ومن قبله جبل تراب نابلس بدماء الشهداء صالح عبدالله شويعر ورفاقه.

هذه الوحدة المقدسة، وحدة الدم والمصير المشترك لن نمكن أحدا أن ينال منها وتعهدت أمام ضريح أبي علي أن أزور بيته في الزرقاء وأن أحمل معي كمية من التراب وصورة للضريح وشريط الفيديو وكان ذلك، وقام وفد من رجالات نابلس وفلسطين بزيارة بيت الشهيد حاملين معهم تراب فلسطين وصورة كبيرة للضريح وشريط الفيديو وكان اللقاء في بيت الشهيد مع أسرته وجمع كبير من أهل الزرقاء، وحدثنا ليلتها نجله ناصر وكان في الثالثة من عمره يوم الاستشهاد “إنّ حجر هذا البيت وتنفيذا لوصية الوالد الشهيد من أحجار قباطية جماعين وكانت الوالدة وهي تحدثنا عن والدنا تقول: أنه أوصى أيضا أن تكون حجارة ضريحه من حجر فلسطين وشاءت الأقدار، أن تكتب له الشهادة فوق تراب فلسطين ويدفن في مدينة نابلس عاصمة جبل النار وهو يدافع عن بوابتها الغربية في منطقة وادي التفاح، سقط شهيدا وهو واقف على قدميه مرفوع الرأس موفور الكرامة ضاربا المثل الأعلى في البطولة والتضحية والفداء، وأخال روح شاعر فلسطين إبراهيم طوقان كانت تحلق في سماء المعركة تحيي الشهيدج البطل وتردد أبياتا شعرية من قصيدته (الفدائي):

لا تسل عن سلامته روحه فوق راحته
هو في الواد واقف والردى منه خائف
فأهدئي يا عواصف خجلا من جراءته
صامت لو تكلما لفظ النار والدما

لا تلوموه قد رأى منهج الحق مظلما

نعم لقد تذكرت الموت خائفا من الشهيد أبي علي الذي قاتل واستبسل وتصدى للعدو الغازي بشجاعة الرجال، أوقف رتلا من المدرعات فدمر بعضها وعطل البعض الآخر، شاهدنا بأم أعيننا في اليوم التالي للمعركة ساحة القتال وكأن جيشين كانا يلتقيان والحقيقة أنه رجل صمد أمام جيش شل حركته وصدّ تقدمه فاستعان بطائرات الميراج المقاتلة التي انقضت عليه مرات عديدة قبل أن تنال منه وقضى أبوعلي مجاهدا في سبيل الله، في سبيل عروبة فلسطين أرض الإسراء والمعراج وأصبح واحدا من أكبر رموز شهدائنا الأبرار الذين زرعوا الرعب والخوف في قلب الإرهابي شارون سفاح صبرا وشاتيلا وسفاح قانا شمعون بيريس في عملياتهم الاستشهادية.. ها هو الشهيد صالح عبدالله شويعر ينام نومته الأبدية في ثرى فلسطين وفي نابلس عاصمة جبل النار تحديدا، وشهيدنا تيسير هواش “أبو شريف”، أحد أبطال معركة الكرامة قد نام هو الآخر نومته الأبدية في ثرى الأردن الغالي في مدينة السلط شقيقة نابلس منذ مئات السنين وستظلان كذلك.

ولا بد لنا من كلمة إلى أولئك الإقليميين فنقول لهم: اتقوا الله في وطنكم، في مستقبل أبنائكم وأحفادكم من بعدكم.

إن وحدة الدم التي سطرها الشهداء بأحرف من نور أقوى وأكبر منكم بكثير وإنها هي المنتصرة في نهاية المطاف، وحمى الله هذا الوطن من القلة القليلة التي كشفت عن نفسها بنفسها، ومع ذلك فإننا نطلب لها من الله الهداية والمغفرة وسلام على شهدائنا الأبرار الذين سبقونا إلى جنات الخلد.

وسلام على شهداء معركة وادي التفاح بمدينة نابلس صالح عبدالله شويعر وسليمان عطية الشخانبة وصياح فياض الفقراء وراشد موسى نمر العظامات، فهنيئا لهم في جنان الخلد إنهم
(أحياء عند ربهم يرزقون) و(جزاهم بما صبروا جنة وحريرا)

صدق الله العظيم.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.